جارٍ التحميل...

جارٍ التحميل...
يروي هذا الحديث الصحابي الجليل عبد الرحمن بن صخر الدوسي المشهور بأبي هريرة.
وقد غلبت عليه هذه الكنية بسبب قطة صغيرة كان يعطف عليها ويحملها في كمه دائما.
ويؤسس هذا الحديث العظيم لقاعدة كبرى من قواعد أصول الفقه والتشريع الإسلامي.
فالنهي في لغة الشرع هو طلب الكف عن الفعل الصادر من جهة أعلى إلى جهة أدنى.
ورسول الله صلوات الله عليه يمثل أعلى درجات السلطة التشريعية بعد الله عز وجل.
لذلك جاء الأمر باجتناب المنهيات بصيغة حاسمة قاطعة لا تقبل التردد أو التهاون.
والاجتناب أبلغ من مجرد الترك، فهو يعني أن تبتعد تماما وتكون في جانب آخر.
وهذا يشمل الابتعاد عن المحرمات الكبيرة والصغيرة دون أي تهاون أو استثناء.
ويلاحظ في هذا الحديث التفريق الدقيق بين التعامل مع المنهيات والتعامل مع المأمورات.
ففي المنهيات لم يعذر أحدا، بل أمر بالاجتناب المطلق لأن الكف عن الفعل مقدور للجميع.
فلا يكلف الإنسان جهدا بدنيا لكي لا يسرق أو لا يكذب، بل يكفيه أن يمتنع عن ذلك.
أما في المأمورات فقد ربط النبي صلى الله عليه وسلم التنفيذ بالاستطاعة والقدرة الفردية.
لأن الأوامر تتطلب إيجاد فعل وبذل جهد حقيقي، وهذا يتفاوت من شخص إلى آخر.
وهذا التفريق يبرز مدى يسر الشريعة الإسلامية ومراعاتها لطاقات البشر المتفاوتة.
فمن عجز عن أداء العبادة بصفة معينة سقطت عنه إلى الصفة التي تليها في التخفيف.
ومن لم يستطع القيام في صلاته لمرض أو كبر، جاز له أن يصلي جالسا أو على جنبه.
ومع تشديد الشريعة في باب المنهيات، إلا أنها وضعت استثناء واحدا وهو حالة الضرورة.
فالقاعدة الفقهية تنص على أن الضرورات تبيح المحظورات وتقدر بقدرها دون زيادة.
فمن أشرف على الهلاك جوعا ولم يجد سوى لحم الميتة، جاز له أن يأكل منها لينقذ حياته.
لأن حفظ النفس من المقاصد الكبرى، والتحريم يرتفع مؤقتا عند وجود الضرورة القصوى.
ولكن لا يجوز للمضطر أن يأكل حتى يشبع، بل يأخذ فقط ما يقيم صلبه ويحفظ روحه.
إلا إذا كان يغلب على ظنه أنه لن يجد طعاما حلالا قريبا، فله أن يتزود للمستقبل.
ويختلف هذا عن التداوي بالمحرمات كشرب الخمر للعلاج، فهذا لا يعد ضرورة شرعية.
لأن الشفاء غير مقطوع به في هذا الدواء، وقد يشفيه الله بطرق أخرى مباحة كثيرة.
ويعلمنا الحديث ألا نكثر من الأسئلة التفصيلية التي لا ينبني عليها عمل أو نفع حقيقي.
فقد كان كثرة السؤال سببا رئيسيا في هلاك الأمم السابقة كبني إسرائيل مع أنبيائهم.
فحين أمرهم الله بذبح بقرة، شددوا على أنفسهم بكثرة الأسئلة عن لونها وعمرها وعملها.
فشدد الله عليهم، وكادوا ألا يفعلوا بعد أن ضيقوا ما كان واسعا في أصل التشريع.
لذا يجب على المسلم أن يقبل أوامر الشريعة ونواهيها بالتسليم والانقياد التام الفوري.
ولا يسأل عن الحكمة الخفية لكل حكم، أو يبحث عن ثغرات للتنصل من التكاليف.
وإنما يقتصر سؤاله على ما يجهله من أمور دينه التي يحتاج إلى تطبيقها في حياته.
فالسؤال المذموم هو سؤال التعنت والتنطع، أما سؤال التعلم والاسترشاد فهو مطلوب.
كما يحذرنا النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث من خطورة الاختلاف على الأنبياء.
فالخلاف والشقاق من أعظم أسباب ضعف الأمم وتسلط الأعداء عليها وانهيار حضاراتها.
والطريق الوحيد للنجاة هو التمسك بسنة المصطفى وعدم الخروج عن هديه وتعاليمه.
ويجب أن ندرك أن الإنسان يمتلك إرادة وقدرة حقيقية تمكنه من الطاعة واجتناب المعصية.
وهذا يرد على بعض الفرق الضالة التي ادعت أن الإنسان مجبر على أفعاله كالريشة في مهب الريح.
فلو كان الإنسان مجبرا لما أمره النبي بفعل ما يستطيع، ولما حاسبه الله على تقصيره.
لذا يجب على المؤمن أن يبذل قصارى جهده في طاعة ربه مستعينا به ومتوكلا عليه.
وأن يعلم أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، وأن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه.
ويستنبط من هذا الحديث قاعدة فقهية عظيمة في تقديم درء المفاسد على جلب المصالح.
فبناء على تغليظ الشارع لجانب المنهيات، فإن تجنب المحرمات مقدم على فعل المستحبات.
فلا يعصي المسلم ربه بحجة أنه يريد الوصول إلى طاعة أخرى، كالذي يسرق ليتصدق.
لأن الله غني عن طاعة تبنى على معصية، والدين لا يقوم على مثل هذه التبريرات الفاسدة.
ويجب على المفتي وطالب العلم أن يراعي هذه القاعدة عند إجابته على تساؤلات الناس.
فلا يفتي بجواز أمر محرم بحجة وجود مصلحة متوهمة، بل يقف عند حدود النصوص الصريحة.
وهكذا يكون هذا الحديث بمثابة ميزان دقيق يضبط حركة المسلم في كل شؤون حياته.
فلا يتجاوز الحدود التي رسمها له الشرع، ولا يرهق نفسه بما لا تطيقه من تكاليف شاقة.
وفيما يتعلق بالصلاة لمن يعجز عن إكمالها قائما، فإن عليه أن يبدأ صلاته وهو واقف.
فإذا أحس بالتعب الشديد والمشقة أثناء القراءة، فله أن يجلس ويكمل صلاته وهو جالس.
وهذا التطبيق العملي ينسجم تماما مع التوجيه النبوي بفعل المأمور بحسب الاستطاعة.
فلا يترك القيام من بداية الصلاة بحجة أنه سيتعب لاحقا، بل يأتي بما يقدر عليه أولا.
وهذا يعلمنا التدرج في أداء العبادات وعدم اليأس أو الانقطاع عند مواجهة أي صعوبة.
فالخطوة الأولى في الطاعة مقبولة ومثاب عليها، حتى وإن لم يتمكن العبد من إكمال الباقي.
والمهم هو صدق النية وبذل الجهد الحقيقي المخلص لله في كل قول وعمل وترك.
وهذا يزرع في قلب المؤمن راحة نفسية عظيمة، إذ يعلم أن ربه رحيم يقبل منه ما تيسر.
وأخيرا فإن هذا الحديث يختصر منهج التعامل مع النصوص الشرعية في أبهى صوره.
فالمسلم الحقيقي لا يجادل في الأوامر والنواهي، ولا يعارضها بآرائه وأهوائه الشخصية.
بل شعاره الدائم هو سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، كما وصف الله المؤمنين.
وبهذا الانقياد التام تتحقق العبودية الصادقة التي خلق الإنسان من أجلها في هذه الحياة.
وينجو العبد من مزالق الهلاك التي سقطت فيها الأمم السابقة بسبب تعنتها وعنادها.
فالتسليم لله ولرسوله هو طريق النجاة الوحيد، وهو السفينة التي تعصم من أمواج الفتن.
نسأل الله أن يرزقنا الفقه في دينه، وأن يعيننا على اجتناب نواهيه والعمل بأوامره.
وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يثبتنا على الحق حتى نلقاه.