جارٍ التحميل...

جارٍ التحميل...
يروي هذا الحديث الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري عن رجل سأل النبي الكريم.
ولا يضرنا جهل اسم هذا السائل، لأن العبرة في الشريعة بالمعاني والأحكام لا بأسماء الأشخاص.
فالقاعدة أن تعيين السائل لا يفيد كثيرا إلا إذا كان الحكم الشرعي يختلف باختلاف حاله وعينه.
وقد سأل هذا الرجل عن الاكتفاء بأداء الفرائض الأساسية، وهل تضمن له دخول الجنة والنجاة.
فذكر الصلوات المكتوبات، وهي الصلوات الخمس المفروضة في اليوم والليلة بلا زيادة ولا نقصان.
وذكر صيام شهر رمضان، والصيام هو الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
ولابد في الصيام من نية التعبد لله، فلو أمسك الإنسان حمية أو تطببا لم يعد صائما شرعا البتة.
وهذا يؤكد أهمية النية في تحويل الأعمال من مجرد عادات بدنية إلى عبادات شرعية مقبولة.
وأضاف السائل قوله وأحللت الحلال وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئا من النوافل والسنن.
ومعنى أحللت الحلال ينقسم إلى شقين، الأول أن يعتقد في قلبه حله، والثاني أن يفعله ويستمتع به.
ومعنى حرمت الحرام أن يعتقد يقينا تحريمه في الشرع، ثم يجتنبه ويبتعد عنه طاعة لله عز وجل.
وقد نبه العلماء إلى نقطة دقيقة، وهي أن اجتناب الحرام قد يكون لعدم ميل النفس إليه أصلا.
كمن يترك شرب الخمر لأن رائحتها تزعجه، فهذا لا يأثم ولكنه لا يؤجر على تركه الخالي من النية.
أما من ترك المحرم معتقدا تحريمه، وتجنبه خوفا من عقاب الله، فإنه يثاب ويؤجر على هذا الترك.
فالترك المتعمد طاعة لله هو عبادة جليلة، تثقل ميزان العبد وترفعه درجات في جنات النعيم.
ولذلك كان من الضروري أن يقرن المسلم تركه للمحرمات باستحضار نية الامتثال لأمر المشرع الحكيم.
وهنا يبرز إشكال حول عدم ذكر الرجل لأركان الإسلام الأخرى كالزكاة وحج بيت الله الحرام.
فالزكاة فرضت قبل الصيام، ولا يكتمل إسلام العبد إلا بها، فكيف ضمن له النبي دخول الجنة؟
وأجاب العلماء عن ذلك بأن النبي ربما علم من حال هذا الرجل أنه فقير لا يملك نصاب الزكاة.
أو أن الزكاة تدخل ضمنا في قوله وحرمت الحرام، لأن منع الزكاة وكتمانها من أشد المحرمات.
أما عدم ذكر الحج، فمرد ذلك إلى أن الحج تأخر فرضه إلى السنة التاسعة أو العاشرة للهجرة.
وربما كان هذا الحوار قبل فرض الحج، فكان الاكتفاء بما ذكر صحيحا وموافقا لتشريع ذلك الوقت.
وبكل الأحوال، فإن ترك الزكاة أو الحج مع القدرة يعد إخلالا خطيرا بأصل الدين وقواعده المتينة.
فالالتزام بما افترض الله هو الحد الأدنى للنجاة، ولا يعذر المسلم بترك ركن من أركان دينه العظيم.
ولما سأل الرجل أأدخل الجنة؟ أجابه النبي الصادق المصدوق بكلمة واحدة حاسمة وهي نعم.
والجنة هي دار الكرامة والنعيم المقيم التي أعدها الله لعباده المتقين الذين أطاعوه في الدنيا.
فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، من أصناف المتع واللذات الباقية.
وأسماء الثمار والأنهار فيها توافق ما في الدنيا اسما، لكنها تختلف عنها حقيقة وجوهرا وبهاء.
وقد كان دخول الجنة هو الغاية العظمى التي تسعى إليها نفوس الصحابة الكرام في كل حركاتهم.
فلم تكن الدنيا ومناصبها وأموالها تزن عندهم جناح بعوضة، بل كانت أبصارهم معلقة بالآخرة.
كما طلب صحابي مرافقة النبي في الجنة حين عرض عليه أن يسأله حاجة من حوائج الدنيا الزائلة.
فدله النبي على طريق تحقيق هذه الغاية العظيمة بكثرة السجود والتقرب إلى الله بالنوافل المتتابعة.
وكلمة نعم التي أجاب بها النبي تفيد الإثبات والموافقة، وتعتبر في عرف اللغة إعادة للسؤال المطروح.
ويترتب على هذه القاعدة اللغوية أحكام فقهية كثيرة في أبواب العقود والأنكحة والطلاق وغيرها.
فلو سئل رجل أطلقت زوجتك؟ فقال نعم، وقع الطلاق فورا لأنها تعني نعم طلقتها بالتمام والكمال.
ولو قال الولي للخاطب أقبلت زواج ابنتي؟ فقال نعم، انعقد النكاح وصح لأنها تقوم مقام القبول.
وكذلك في البيوع والأوقاف، فجواب نعم يعتبر إقرارا ملزما وتصريحا تاما بالالتزام بمضمون السؤال.
وهذا يدل على دقة الشريعة الإسلامية في حفظ الحقوق وضبط الألفاظ التي تترتب عليها التبعات.
فالمسلم محاسب على كلماته، ويجب عليه أن يدرك أبعاد إجاباته ومقاصدها في التعامل مع الآخرين.
وهذا من كمال الفقه في الدين، أن يعرف المرء دلالات الألفاظ وما تقتضيه من أحكام شرعية وقانونية.
ويستفاد من هذا الحديث بيان يسر الشريعة الإسلامية وسماحتها، وأنها لا تكلف الناس شططا ومساءلة.
فمن أراد الاقتصار على أداء الفرائض وترك المحرمات، ولم يأت بشيء من النوافل، فهو من الناجين.
ولا يلحقه لوم أو عتاب يوجب عقابه، وإن كان قد فوت على نفسه درجات عالية في جنات الخلد.
وهذا ما قرره العلماء في الرد على من زعم أن تارك السنن الراتبة كصلاة الوتر تسقط مروءته تماما.
فكونه ترك الوتر لا يعني أنه من أهل النار أو أنه محروم من دخول الجنة برحمة أرحم الراحمين.
بل يعني أنه رجل مفرط في الخير، متساهل في تحصيل الأجور العظيمة بعمل يسير لا يكلفه الكثير.
فالمؤمن العاقل لا يكتفي بالحد الأدنى، بل ينافس في ميادين الطاعات ليبلغ منازل المقربين والصديقين.
فالفرائض هي رأس المال الذي تبرأ به الذمة، والنوافل هي الأرباح التي تتفاوت بها مراتب العباد.
وإن الاكتفاء بالفرائض يتطلب عزيمة قوية ومجاهدة صادقة لضمان أدائها على الوجه الأكمل الخالي من النقص.
لأن النوافل شرعت في الأصل لجبر الخلل وسد النقص الذي يعتري الفرائض بسبب الغفلة أو السهو.
فمن اقتصر على المكتوبات فقط، خاطر بصحيفته إن كان فيها خلل، لعدم وجود نوافل ترقع هذا النقص.
لذا كان من فقه الصحابة حرصهم الشديد على التزود من السنن لضمان سلامة الفرائض يوم الحساب.
وإن تحليل الحلال لا يعني بالضرورة وجوب فعله، بل يعني اعتقاد إباحته وعدم تحريمه على النفس تعنتا.
فلا يذم المسلم إن ترك مباحا لعدم رغبته فيه، ولكنه يذم إن تركه معتقدا أن تركه يقربه إلى الله زلفى.
فالدين قد كمل، وما أحله الله فهو حلال طيب، وما حرمه فهو خبيث ضار، والوقوف عند الحدود هو النجاة.
وهذا التوازن هو الذي يحمي المجتمع من الانحراف نحو الغلو والتشدد، أو الانزلاق نحو التسيب والانحلال.
وختاما يتبين لنا أن هذا الحديث هو خريطة طريق واضحة ومختصرة للوصول إلى الجنة بأمان وسلام.
فكل من أقام الصلوات المكتوبة، وصام شهر رمضان، ووقف عند حدود الله محللا حلاله ومحرما حرامه.
فإن أبواب الجنة تفتح له، وهذا فضل عظيم من الله ورحمة واسعة امتن بها على هذه الأمة المرحومة.
فليحرص كل مسلم على تحقيق هذا الحد الأدنى بإتقان وإخلاص، وليحذر من التهاون في أداء الفرائض.
وليجتهد في ترويض نفسه على اجتناب المحرمات مهما زينتها الشياطين أو تهاون بها أهل الزمان.
فإن الموعد قريب، والجزاء عظيم، والجنة غالية تتطلب ثمنا من الصدق والثبات على عهد الله المتين.
نسأل الله أن يجعلنا ممن يقيمون الصلاة، ويصومون رمضان، ويقفون عند حدوده غير مبدلين.
وأن يتغمدنا برحمته، ويدخلنا جنته، ويعيذنا من سخطه والنار، إنه هو البر الرحيم الجواد الكريم.