جارٍ التحميل...

جارٍ التحميل...
يبدأ الحديث بذكر راويه وهو الصحابي الجليل عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.
وقد كني بأبي عبد الرحمن، والكنية في لغة العرب هي كل ما صدر بأب أو أم ونحوهما.
أما العلم فهو الاسم الذي يعين المسمى مطلقا، والجمع بين الكنية والاسم من التكريم.
وقد ترضى الراوي عنهما لأن الصحابي وأباه مسلمان، بخلاف من كان أبوه كافرا فيفرد بالترضي.
وقوله بني الإسلام مبني لما لم يسم فاعله، والفاعل هنا معلوم يقينا وهو الله عز وجل.
وإبهام الفاعل للعلم به سائغ في اللغة وموجود في القرآن كما في قوله وخلق الإنسان ضعيفا.
فما علم شرعا أو قدرا جاز أن يبنى فعله لما لم يسم فاعله اختصارا واعتمادا على فهم السامع.
والمعنى أن الله تعالى أسس هذا الدين العظيم وأقامه على هذه الدعائم الخمس الأساسية.
وقوله على خمس أي على خمس دعائم وقواعد يرتكز عليها بناء الإسلام ولا يقوم إلا بها.
وفي قوله شهادة أن لا إله إلا الله وجهان صحيحان في الإعراب عند علماء اللغة العربية.
الأول الرفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف تقديره هي شهادة، والثاني الجر على أنها بدل.
وهو بدل بعض من كل، لتفصيل هذه الخمسة التي أجملها النبي صلى الله عليه وسلم أولا.
وقد قدم في هذا الحديث الحج على الصوم بخلاف رواية حديث جبريل التي قدمت الصوم.
والجواب عن هذا الإشكال أن هذا الترتيب يسمى ترتيبا ذكريا يجوز فيه تقديم المؤخر.
كما في قول الشاعر إن من ساد ثم ساد أبوه ثم ساد من بعد ذلك جده، وهذا أسلوب عربي.
فالأمر في ذلك واسع، والمقصود هو بيان هذه الأركان المجتمعة التي يتكون منها الإسلام.
ومن التأمل في هذا الحديث ندرك حكمة الله البالغة في تنويع هذه العبادات والأركان.
فقد بنى الله الإسلام العظيم على هذه الدعائم الخمس من أجل امتحان العباد واختبارهم.
فالشهادتان نطق باللسان واعتقاد بالجنان، وهما أساس الدين الذي لا يصح أي عمل بدونهما.
أما إقام الصلاة فهو عمل بدني يشتمل على أقوال وأفعال مخصوصة تقربا لله رب العالمين.
وما قد يجب من المال لإكمال الصلاة كشراء ماء للوضوء أو ثوب لستر العورة لا يعد منها.
لأن هذا الإنفاق خارج عن حقيقة العبادة نفسها، ولذلك تعد الصلاة عبادة بدنية محضة.
أما إيتاء الزكاة فهو عبادة مالية خالصة، والمقصود منها إخراج جزء محدد من المال لمستحقيه.
وكون الغني قد يمشي أو يستأجر سيارة لإيصالها للفقير فهذا أمر خارج عن ماهية العبادة.
وأما صوم رمضان فهو عبادة بدنية محضة لكنها من نوع آخر يختلف تماما عن الصلاة.
فالصلاة عبادة بدنية تعتمد على الفعل والحركة، بينما الصيام عبادة بدنية تعتمد على الترك.
وهو الكف والامتناع عن المفطرات، لأن الإنسان قد يسهل عليه أن يفعل ويصعب عليه أن يكف.
وقد يسهل على آخر الكف ويصعب عليه الفعل، فنُوعت العبادات ليكمل بذلك الامتحان.
وأما حج بيت الله الحرام فهو متردد بين أن يكون عبادة بدنية أو عبادة بدنية مالية معا.
فإذا كان الإنسان يحتاج إلى شد رحل وسفر طويل احتاج إلى بذل المال للوصول إلى مكة.
لكن هذا البذل يعتبر خارجا عن حقيقة النسك، وهو من جنس شراء الماء للوضوء تماما.
وإذا كان الرجل من أهل مكة ويستطيع المشي فلا يحتاج لمال، فالنفقة لابد منها حتى لو لم يحج.
وبهذا التفصيل تتضح لنا الحكمة العظيمة في تنويع أركان الإسلام لتشمل جميع أنواع الابتلاء.
فالامتحان يقع في بذل المحبوب، والكف عن المحبوب، وإجهاد البدن في طاعة الله تعالى.
فبذل المحبوب يتجلى في الزكاة، لأن المال مجبول على حبه في النفوس كما ورد في القرآن.
قال تعالى وإنه لحب الخير لشديد، وقال سبحانه وتحبون المال حبا جما، فبذله دليل الإيمان.
والكف عن المحبوب يتجلى في الصيام بترك الطعام والشراب والشهوة من أجل الله سبحانه.
فتنوعت هذه الدعائم لتكميل الامتحان، لأن بعض الناس يسهل عليه الصوم ويشق عليه الإنفاق.
وبعض الناس يسهل عليه أن يبذل ماله كله، ولكن يصعب عليه جدا أن يصوم يوما واحدا.
فجاء الشرع الحكيم بما يختبر صدق العبودية في جميع الحالات والأحوال ليتبين الصادق.
ويذكر في هذا الباب قصة بعض الملوك الذين وجبت عليهم كفارة يمين أو ظهار ونحوها.
والكفارة مرتبة شرعاً فتبدأ بتحرير رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، ثم إطعام مساكين.
فاجتهد بعض العلماء وقال لهذا الملك يجب عليك أن تصوم شهرين متتابعين ولا تعتق رقبة.
فلما سئل المفتي عن سبب مخالفته للنص وتقديم الصيام على العتق مع قدرة الملك على العتق.
قال لأن صيام الشهرين أشق على هذا الملك من إعتاق رقبة لغناه الفاحش وكثرة ماله.
والمقصود بالكفارة محو ما حصل من إثم الذنب وردع المذنب لكي لا يعود لمثل فعله مرة أخرى.
وهذا القول يعتبر استحسانا عقليا من المفتي، ولكنه استحسان فاسد وفي غير محله تماما.
لأنه مخالف صراحة للنص الشرعي، والواجب إلزامه بما أوجب الله عليه وحسابه على الله.
ومن هذه القصة نأخذ درسا عظيما في وجوب الوقوف مع النصوص الشرعية وعدم تجاوزها.
فالعقل مهما بلغ من الحكمة والفهم لا يجوز له أن يشرع أحكاما تخالف ما أنزله الله ورسوله.
والاستحسان المبني على مجرد الرأي والمخالف لترتيب القرآن والسنة يعتبر باطلا ومردودا.
فدين الله مبني على التسليم والانقياد التام، وليس على اجتهادات تلغي دلالة النصوص الواضحة.
والله عز وجل هو أعلم بحال عباده، وقد شرع لهم ما يصلحهم في كل زمان ومكان وحال.
فالغني والفقير أمام أحكام الشريعة سواء، وكل مكلف ملزم بما خوطب به دون تمييز أو تبديل.
وإذا شرعنا في تعديل الأحكام بناء على أحوال الأشخاص ومقاماتهم لفسد الدين وضاعت معالمه.
لذا وجب على كل مفت وعالم أن يتقي الله ولا يفتي إلا بما يوافق مراد الله ورسوله بلا محاباة.
وفي ختام شرح هذا الحديث العظيم يتبين لنا مدى ترابط أركان الإسلام وتكاملها المتين.
فلا يمكن للمسلم أن يكتفي بركن دون الآخر إذا كان قادرا ومستطيعا لأدائه وتلبيته.
وهذه الأركان الخمسة هي مجرد الأساس، والبناء يحتاج إلى مكملات من السنن والمندوبات.
وكذلك يحتاج إلى اجتناب المحرمات والمكروهات ليكون بناء الإسلام في قلب العبد شامخا وقويا.
والمسلم الحق هو الذي يحافظ على هذه الدعائم، ويتعاهدها بالرعاية والإخلاص والمتابعة.
فإذا اختل ركن منها اختل البناء كله، وإذا انهدم ركن الشهادتين انهدم الدين بأسره بلا ريب.
نسأل الله العظيم أن يثبتنا على هذا الدين، وأن يعيننا على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان.
وأن يرزقنا حج بيته الحرام، وأن يتقبل منا أعمالنا ويجعلها خالصة لوجهه الكريم يوم نلقاه.