جارٍ التحميل...

جارٍ التحميل...
يروي هذا الحديث العظيم حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
وكان وقتها غلاما يافعا لم يبلغ الحلم، فقد توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو يناهز الخامسة عشرة.
وكان يركب خلف النبي أو يمشي وراءه، فخصه النبي بهذه الوصايا الجامعة التي تصلح لتأسيس الأمة.
وناداه بقوله يا غلام تلطفا وتوددا، ومهد للكلام بقوله إني أعلمك كلمات ليلفت انتباهه ويركز ذهنه.
وهذا من براعة المعلم المربي الذي يهيئ قلب المتعلم لاستقبال العلم النافع والمعاني الجليلة وتفهمها.
وبدأ النبي صلى الله عليه وسلم وصيته بقاعدة عظيمة هي أحفظ الله يحفظك، وهي جملة شرطية بليغة.
ومعنى حفظ الله هو حفظ حدوده وشريعته، بفعل الأوامر التي فرضها، واجتناب النواهي التي حذر منها.
ومن حفظ الله أيضا تعلم الدين وما تصح به العبادات والمعاملات ليقوم بها العبد على الوجه الصحيح.
وجزاء هذا الحفظ أن يحفظك الله في دينك وأهلك ومالك ونفسك، والجزاء من جنس العمل دائما.
وأعظم أنواع الحفظ هو حفظ الدين، بأن يسلمك الله من الزيغ والضلال ويثبتك على الحق حتى الممات.
فإن الإنسان كلما اهتدى وحفظ أوامر ربه زاده الله هدى ويقينا، ووقاه من الشبهات والشهوات المهلكة.
وعلى العكس من ذلك، من أضاع حدود الله وتجرأ على معاصيه فإنه لا يستحق أن يحفظه الله أو يرعاه.
ثم قال احفظ الله تجده تجاهك، وفي رواية أمامك، والمعنى واحد وهو أن تجد الله معك بتوفيقه وهدايته.
فإذا حفظت حدوده دلك على كل خير، وقربك إليه، وذاد عنك كل شر ومكروه في مسيرتك في الحياة.
ولا سيما إذا كان هذا الحفظ مقترنا بالاستعانة الصادقة والتوكل الخالص على الله سبحانه وتعالى.
فمن كان الله حسبه وكافيه، فلن يناله سوء أبدا، ولن يحتاج إلى أحد من الخلق ليدبر له شؤونه.
ثم وجه النبي صلى الله عليه وسلم الغلام لتوحيد الطلب فقال إذا سألت فاسأل الله وحده دون سواه.
فالمؤمن الحق لا يوجه سؤاله ورجاءه في قضاء الحاجات وتفريج الكربات إلا لخالق السماوات والأرض.
ولا ينبغي له أن يسأل المخلوقين الضعفاء، فإذا اضطر لسؤال مخلوق فيما يقدر عليه من أمور الدنيا.
فليعتقد يقينا أن هذا المخلوق مجرد سبب سخر له، وأن المسبب الحقيقي والمعطي هو الله جل جلاله.
وكذلك قوله وإذا استعنت فاستعن بالله، فطلب العون لا يوجه إلا لمن بيده مقاليد الأمور وملكوت كل شيء.
فالله هو القادر على إعانتك إذا أخلصت له الاستعانة، وهو الذي ييسر لك الأسباب المعلومة وغير المعلومة.
وقد يدفع عنك ببركة هذه الاستعانة من الشرور ما لا طاقة لأحد بدفعه، ويقيك من المصائب والفتن.
وسؤال غير الله والاستعانة بهم فيما لا يقدرون عليه يعد نقصا في كمال التوحيد الذي يجب أن يصفو لله.
ثم انتقل النبي لترسيخ عقيدة القضاء والقدر فقال واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء.
فإنهم من أولهم لآخرهم لن يستطيعوا نفعك إلا بشيء قد كتبه الله لك في سابق علمه وتقديره الأزلي.
وعلى هذا فإن النفع الذي يأتيك من طريق الخلق هو في الحقيقة من الله، لأنه هو الذي قدره وساقه إليك.
وكذلك لو اجتمعت الأمة كلها بقضها وقضيضها لتوقع بك ضررا أو مكروها، فلن يقدروا على ذلك أبدا.
إلا بشيء قد كتبه الله عليك، فارض بقضاء الله وقدره، واعلم أن ما يصيبك من أذى فهو بتقدير حكيم.
وهذا لا يمنع الإنسان من السعي لدفع الضرر المعتدى به عليه، فالأخذ بالأسباب من شرع الله ودينه.
ثم ختم هذه القاعدة بقوله رفعت الأقلام وجفت الصحف، أي أن ما كتبه الله قد انتهى وتم ولا تبديل له.
فالمقادير قد سطرت قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، والاعتماد يجب أن يكون على الخالق وحده.
وفي الرواية الأخرى زيادة عظيمة نافعة حيث قال تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة والأزمات.
ومعنى التعرف إلى الله في الرخاء هو القيام بحقوقه والمحافظة على طاعته في أوقات الصحة والغنى والأمن.
فمن كان حاله كذلك، ثم أصابته شدة أو مرض أو فقر، فإن الله يعرفه بفضله ورحمته ولطفه وإعانته.
فيقف معه في كربته، ويفرج همه، ويزيل شدته، مكافأة له على ما قدم من عمل صالح في أيام رخائه.
فصنائع المعروف تقي مصارع السوء، ومن كان ذاكرا لله في سرائه لم ينسه الله في ضرائه ومحنته.
أما من لا يعرف ربه إلا وقت البلاء والمصائب كحال المشركين في البحر، فإنه قد يُخذل وقت الشدة.
وهذا التوجيه يربي المسلم على الدوام على الطاعة وعدم الركون لزخرف الحياة الدنيا ونسيان المنعم.
فالقلب الموصول بالله دائما هو القلب الذي تتنزل عليه السكينة متى ما ادلهمت الخطوب واشتدت العواصف.
ثم أكد عقيدة القدر مرة أخرى بأسلوب بليغ فقال واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك بأي حال من الأحوال.
وما أصابك لم يكن ليخطئك، فما قدر الله أن يقع عليك فلا راد له، وما صرفه عنك فلا جالب له البتة.
وهذه الجملة العظيمة فيها تسلية كبرى للمؤمن عند وقوع المصائب المؤلمة أو فوات المحبوبات الدنيوية.
فلا يقل لو أني فعلت كذا لكان كذا، بل يقول قدر الله وما شاء فعل، فيرتاح قلبه وتسكن نفسه ويسلم أمره.
ويوقن أن حكمة الله بالغة، وأن اختياره لعبده المؤمن خير من اختيار العبد لنفسه القاصرة الضعيفة.
فهذا اليقين الراسخ يطرد الهم والغم من القلب، ويغلق باب الوساوس وحسرات الشياطين التي تضعف العزيمة.
ويجعل المؤمن يمضي في حياته بقوة وعزم، لا يأسف على ما فاته، ولا يفرح بما آتاه فرحا يورث البطر.
بل يعيش متوازنا بين الشكر عند النعماء والصبر عند البأساء، وهذا هو المنهج الحق للمسلم الصادق.
ثم زف النبي صلى الله عليه وسلم بشارات عظيمة فقال واعلم أن النصر مع الصبر في كل معارك الحياة.
سواء كانت معركة عسكرية مع الأعداء، أو معركة نفسية في جهاد الهوى والشيطان والثبات على الطاعات.
فالعدو قد يحيط بالإنسان من كل جانب ليضعفه ويصيبه باليأس، فيتوقف عن الجهاد أو يترك الدعوة.
وقد يصيبه الأذى والألم الشديد من خصومه، فيحتاج هنا إلى سلاح الصبر والمصابرة والمرابطة القوية.
فمن اعتصم بالصبر وتجرع مرارته، رزقه الله النصر المبين والتأييد العظيم الذي لا يقف أمامه عائق.
كما قال تعالى ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون.
فالصبر هو مفتاح كل خير، وهو الضياء الذي ينير درب السالكين وسط ظلمات الابتلاءات والمحن.
وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر، فهو السلاح الذي لا يخيب وصاحبه لا يخذل أبدا.
وأتبع البشارة الأولى ببشارتين فقال وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا، تأكيدا لسنن الله الكونية.
فالفرج وهو انكشاف الشدة وتجلي الهم مرتبط ارتباطا وثيقا باشتداد الكرب وبلوغه مبلغا عظيما ضيقا.
فكلما اكتربت الأمور واشتدت حلقاتها، أذن الله بانفراجها، كما يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء.
وليعلم المسلم أن بعد كل عسر يسرا يتبعه، بل إن العسر محفوف بيسرين، يسر سابق ويسر لاحق من الله.
كما نص القرآن الكريم على ذلك مؤكدا فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا، لينشرح صدر المؤمن ويطمئن.
وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسيرها لن يغلب عسر يسرين، وهذا من عظيم رجائه وفقهه العميق.
فإذا عسرت بك الأمور واشتدت الخطوب، فالتجئ إلى الله وحده منتظرا تيسيره الواسع ومصدقا بوعده الحق.
وهكذا جمع هذا الحديث العظيم أصول العقيدة، وقواعد التوكل، ومفاتيح السعادة والنجاة في الدارين.