جارٍ التحميل...

جارٍ التحميل...
عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الطهور شطر الإيمان.
والطهور بالضم هو الفعل، أي عملية التطهر الحسي بالماء من الأحداث والأنجاس لتصح العبادة العظيمة.
أما الطهور بالفتح فهو الماء الذي يتطهر به، والمقصود هنا هو الفعل الذي يزيل الخبث ويرفع الحدث.
وقوله شطر الإيمان أي نصفه، وذلك لأن الإيمان في مفهومه الشامل يعتمد على التخلية ثم التحلية.
فالتخلية هي التخلص من أرجاس الشرك والمعاصي والنجاسات، والتحلية هي التزين بفعل الطاعات والعبادات.
فالطهارة تمثل الجانب الأول وهو النقاء والتخلي، بينما تمثل بقية الأعمال الجانب الثاني الإيجابي المثمر.
وقيل إن المراد أن الصلاة لا تصح إلا بطهور، والصلاة إيمان، فكان الطهور نصفها الذي لا تتم إلا به.
وهذا يدل على المنزلة العظيمة للنظافة والطهارة في دين الإسلام، حتى جعلت نصفا لعقيدة المؤمن بالله.
ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم والحمد لله تملأ الميزان، والحمد هو وصف الله بصفات الكمال.
مع اقتران هذا الوصف بالمحبة والتعظيم، فمن وصف الله بالكمال دون محبة لم يكن حامدا بل مجاملا.
والميزان المذكور في الحديث هو ميزان حقيقي حسي ينصبه الله يوم القيامة لوزن أعمال العباد أجمعين.
ولهذا الميزان كفتان ولسان، توزن فيه الحسنات والسيئات بتقدير دقيق لا يظلم فيه أحد مثقال ذرة.
وقد يستشكل البعض كيف توزن الأعمال وهي معاني وأعراض وليست أجساما مادية قابلة للوزن المادي؟
والجواب أن الله على كل شيء قدير، قادر على تجسيد المعاني وجعلها أجساما ذات ثقل توزن به الموازين.
كما أخبر النبي أن سورتي البقرة وآل عمران تأتيان كأنهما غمامتان تظلان صاحبهما يوم القيامة في المحشر.
وكما يؤتى بالموت يوم القيامة على هيئة كبش أملح فيذبح بين الجنة والنار، فالله يفعل ما يشاء ويختار.
ثم قال وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض من عظيم الأجر وجلال المعنى.
وسبحان الله تعني التنزيه المطلق لله عز وجل عن ثلاثة أمور أساسية لا تليق بجلاله وكماله البديع.
الأول تنزيهه عن صفات النقص كالموت والنوم والسنة، فالله هو الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم.
الثاني تنزيهه عن وجود أي نقص في صفات كماله، كخلق السماوات والأرض وما مسه من لغوب وتعب أيا كان.
الثالث تنزيهه عن مماثلة المخلوقين، فليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فلا يشبهه أحد من خلقه أبدا.
فإذا جمع العبد بين التسبيح والتحميد، فقد جمع بين نفي النقائص كلها، وإثبات الكمالات المطلقة لربه.
وهذه الكلمات الخفيفة على اللسان تملأ المسافة الشاسعة بين السماء والأرض ثوابا ونورا وبركة خالصة.
وهذا من فضل الله الواسع الذي يجازي على العمل القليل بالثواب الجزيل الذي لا يحيط به وصف الواصفين.
ثم انتقل النبي إلى العبادات العملية فقال والصلاة نور، أي تضيء قلب المؤمن ووجهه وقبره وحشره العظيم.
فالصلاة الخاشعة تزرع في القلب طمأنينة، وتكسو الوجه بهاء، وتكون لصاحبها نورا في ظلمات القيامة الرهيبة.
فإن تساءل قائل لماذا نصلي ولا نشعر بهذا النور في قلوبنا أو لا تنهانا صلاتنا عن الفحشاء والمنكر؟
فالجواب أن الخلل ليس في الصلاة، بل في طريقة أدائها، إما لغياب الإخلاص أو لشرود الذهن والقلب عنها.
فالسبب قد يضعف أثره لوجود موانع كالرياء، أو لعدم استشعار عظمة الوقوف بين يدي الله عز وجل فيها.
ولكي تؤتي الصلاة ثمارها، يجب أن يستشعر المصلي عند وضوئه وصلاته أنه ممتثل لأمر ربه الأعلى الكريم.
وأنه متبع لهدي نبيه محمد، وأنه محتسب للأجر والمغفرة التي وعد بها المحافظون على هذه الشعيرة دوما.
فبهذا الاستحضار تنقلب الحركات الآلية إلى عبادة حية تنير البصيرة وتصلح الحال وتقوم السلوك وتهذبه.
وقال عن الصدقة والصدقة برهان، أي دليل ساطع وحجة واضحة على صدق إيمان باذلها ويقينه بالله عز وجل.
فإن النفوس مجبولة على حب المال والتمسك به، ولا يضحي الإنسان بما يحب إلا من أجل ما هو أحب إليه.
فبذل المال للفقراء تقربا لله يدل على أن محبة الله ورجاء ما عنده قد تغلبا على محبة زخرف الدنيا الفانية.
لذا سميت الصدقة بهذا الاسم لاشتقاقها من الصدق، فهي تبرهن على إيمان صاحبها وتؤكد صحة دعواه العميقة.
وقال والصبر ضياء، والصبر هو حبس النفس عن الجزع والتسخط، وله ثلاثة أنواع بينها أهل العلم الأجلاء.
الأول صبر على طاعة الله بحبس النفس وإلزامها بالعبادات الشاقة، والثاني صبر عن معصية الله بتركها تماما.
والثالث صبر على أقدار الله المؤلمة بعدم الشكوى للناس أو لطم الخدود وشق الجيوب عند المصائب المفجعة.
وسمي الصبر ضياء ولم يسم نورا كالصلاة، لأن الضياء يحمل في طياته حرارة ومشقة ومكابدة للنفس البشرية.
ثم ذكر النبي القرآن فقال والقرآن حجة لك أو عليك، فالقرآن كلام الله المعجز المنزل على قلب نبيه الكريم.
تكلم الله به حقيقة بحرف وصوت، وسمعه جبريل فنزل به أمينا كما هو عقيدة أهل السنة والجماعة الراسخة.
ولا يصح قول من زعم أنه مخلوق كالمعتزلة، أو أنه عبارة وحكاية عن كلام الله كما تزعم الأشاعرة وغيرها.
فهذا القرآن العظيم إما أن يكون شفيعا لك ومدافعا عنك يوم القيامة إن قرأته وعملت بمحكمه وآمنت بمتشابهه.
أو يكون خصما شرسا يقودك إلى النار إن هجرته ولم تمتثل لأوامره واجترأت على انتهاك محارمه ونواهيه.
فلا يوجد للقرآن حالة وسطى، فهو إما غنيمة ترتقي بها في درجات الجنان، أو غرامة تهبط بك في النيران.
فعلى المسلم أن يحاسب نفسه دوما، ويعرض أفعاله على كتاب الله ليعرف هل هو من أهله أم من الهاجرين له.
وليتدارك تقصيره قبل أن يقف للحساب، فيكون القرآن شاهدا له بالصلاح لا شاهدا عليه بالتفريط والضياع.
وختم النبي الحديث بمثل عظيم يصور كدح الإنسان فقال كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها هلكة.
فكل إنسان يخرج في الصباح الباكر ساعيا في مناكب الأرض، يكدح ويعمل ويجهد نفسه في مساعيه اليومية.
ولكن الناس ينقسمون في هذا الكدح إلى فريقين لا ثالث لهما، فريق باع نفسه لله فأعتقها من عذاب النار.
وذلك باتباع أوامر الله واجتناب نواهيه، فاشترى الدار الباقية بالدنيا الفانية، فربح البيع وأفلح مسعاه.
وفريق آخر باع نفسه للشيطان والهوى والشهوات الدنيئة، فأوبقها أي أهلكها وأوردها موارد العذاب والشقاء.
فهو يسعى في هلاك نفسه وهو يظن أنه يحسن صنعا، لأنه استعبد نفسه لمخلوقات زائلة ونسي الخالق العظيم.
وهذا يؤكد أن الحرية الحقيقية ليست في التفلت من شرائع الدين، بل في العبودية الخالصة لله وحده بلا شريك.
فمن هرب من عبودية الله التي خلق من أجلها، ابتلي حتما بعبودية النفس والشيطان والدرهم والدينار والهوى.
وهذا الحديث يمثل خريطة شاملة لمسيرة المسلم في حياته، تبدأ بالطهور الحسي وتنتهي بالعتق الأخروي التام.
فالإسلام ليس مجرد طقوس مجردة، بل هو طهارة في البدن، ونور في القلب، وبرهان في السلوك العملي الصادق.
وهو صبر على مكاره الدنيا، واستمساك بحبل القرآن المتين الذي يعصم من الفتن ويهدي للتي هي أقوم وأصلح.
وكل حركة وسكنة للإنسان في يومه وليلته هي رصيد يضاف إلى ميزانه، فإما أن تثقله أو تذهب هباء منثورا.
فالعاقل هو الذي يغدو كل صباح ليتاجر مع الله تجارة لن تبور، رابحا فيها رضا ربه والنجاة من عقابه الأليم.
والخاسر من ضيع أيامه في اللهو واللعب، حتى يأتيه الموت بغتة وهو في غفلة ساه، فلا ينفعه الندم حينها.
نسأل الله أن يجعلنا ممن يغدو فيعتق نفسه بطاعة مولاه، وأن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ونور صدورنا.
وأن يثقل موازيننا بالحسنات، ويطهر قلوبنا وأبداننا، ويجعلنا من عباده المخلصين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.