جارٍ التحميل...

جارٍ التحميل...
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى قال من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب.
هذا حديث قدسي جليل يبين منزلة أولياء الله، والولي هو المؤمن التقي الذي يمتثل أوامر الله ويجتنب نواهيه بإخلاص تام.
ومعاداة ولي الله تعني بغضه وإيذاءه بسبب دينه واستقامته، وهذا الفعل يعد من كبائر الذنوب التي تستوجب غضب الجبار.
وقوله فقد آذنته بالحرب أي أعلمته بأني محارب له، ومن حاربه الله فهو الهالك المخذول الذي لا ناصر له في الأرض ولا في السماء.
وولاية الله لعباده نوعان، ولاية عامة تشمل جميع الخلق تدبيرا ورزقا وحفظا، وولاية خاصة للمؤمنين المتقين محبة وتوفيقا ونصرا.
والولاية ليست حكرا على فئة معينة، ولا تنال بالادعاء أو بلبس ملابس مخصصة، بل تنال بالإيمان والتقوى كما نص القرآن الكريم.
فمن كان مؤمنا تقيا، كان لله وليا، وكل مسلم له نصيب من هذه الولاية بحسب ما وقر في قلبه من إيمان وما قدم من عمل صالح.
فالواجب على المسلم أن يحب أولياء الله ويواليهم، ويحذر أشد الحذر من معاداتهم أو الطعن فيهم لئلا يعرض نفسه لحرب الله.
ثم بين الله طريق الوصول إلى هذه الولاية الكريمة فقال وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه أداء وامتثالا.
فالفرائض هي أحب الأعمال إلى الله، وهي رأس المال الذي لا بد منه، كالصلوات الخمس، والزكاة، والصيام، والحج، وبر الوالدين.
فلا يقبل الله النافلة حتى تؤدى الفريضة، والمتقرب بالنوافل المضيع للفرائض مغرور مخدوع، يبني قصرا ويهدم مصرا أساسيا.
ثم قال ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، وهذا يفيد الاستمرار والمداومة على فعل السنن الرواتب والصدقات والتطوعات.
فإذا حافظ العبد على الفرائض، وزاد عليها بكثرة النوافل، وصل إلى مرتبة عظيمة وهي أن يحبه الله عز وجل محبة حقيقية تليق بجلاله.
ومحبة الله للعبد هي غاية الغايات، فمن أحبه الله سعد في الدنيا والآخرة، ونال الرضا والقبول، وألقيت محبته في قلوب الخلق أجمعين.
والأعمال الصالحة تتفاضل في أجناسها، فالفرائض أفضل من النوافل، وتتفاضل في أنواعها، فالصلاة أحب إلى الله من غيرها من الأعمال.
وتتفاضل في إخلاص فاعلها، فالمخلص المراقب لله يسبق من يؤدي العبادة كعادة أو لأجل ثناء الناس ورضاهم الزائل الموهوم.
ثم يوضح الله ثمرات هذه المحبة العظيمة فقال فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها.
وهذا الكلام لا يؤخذ على ظاهره الحرفي الذي يوحي بالحلول والاتحاد الباطل، فسمع المخلوق حادث وبائن عن الخالق جل جلاله قطعا.
وإنما المعنى الصحيح أن الله يسدد العبد في حواسه وجوارحه، فلا يسمع إلا ما يرضي الله، ولا يبصر إلا ما أحل الله له النظر إليه.
ولا تمتد يده إلا في طاعة، ولا تسعى قدمه إلا في مرضاة الله، فيكون مسددا موفقا محفوظا بحفظ الله من الانزلاق في مهاوي الردى.
فهذا التوفيق الإلهي هو النور الذي يقذف في قلب الولي، فيجعله يميز بين الحق والباطل، وينفر بطبعه من المعاصي والآثام المحرمة.
وقد يظن بعض الناس أنهم يصلون ويصومون ولكن جوارحهم لا تنزجر عن الحرام، والسبب في ذلك هو نقص الإخلاص وحضور القلب في العبادة.
فالعبادة الخالصة المكتملة الشروط هي التي تثمر استقامة الجوارح، وتجعل العبد وليا حقا تتجلى فيه هذه الثمرات الربانية المباركة.
وبهذا يتضح أن الولاية درجة رفيعة تحتاج إلى مجاهدة مستمرة، ومراقبة دائمة، واستعانة بالله على تطهير الباطن وتقويم الظاهر دوما.
ثم يذكر الله كرامة أخرى للولي المحبوب فقال ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، فهو مجاب الدعوة محفوظ من الشرور.
فإذا رفع يديه طالبا حاجة أعطاه الله سؤله، وإذا التجأ إليه خائفا من مكروه أعاذه وحماه من كل سوء، وهذا من عظيم كرامته على ربه.
ولكن هذا الوعد مشروط بأن يكون الدعاء موافقا لشرع الله، فلا يستجاب للولي إن دعا بإثم أو قطيعة رحم أو ظلم لأحد من الناس.
لأن الله أعدل من أن يجيب دعاء فيه ظلم أو عدوان، حتى وإن كان الداعي من أقرب أوليائه وأحبهم إليه في المنزلة والدرجة والمقام.
كما أن العطاء قد يتنوع، فإما أن يعطيه ما سأل بعينه، أو يصرف عنه من السوء مثله، أو يدخر له الأجر العظيم في يوم القيامة الموعود.
وهذا الحديث يقطع دابر الخرافيين الذين يزعمون أن الأولياء وسطاء بين الله وخلقه، يدعون من دون الله لتقريب العباد زلفى للرب.
فالله أقرب لعبده من حبل الوريد، والولي نفسه محتاج إلى الله يسأله ويستعيذ به، فكيف يطلب من الولي الضعيف ما لا يملكه إلا القوي المتين؟
فالعبادة والدعاء حق خالص لله وحده، والأولياء الصالحون هم أشد الناس عبودية لله وافتقارا إليه وبراءة من الشرك والادعاءات الباطلة.
إن هذا الحديث يمثل منهجا متكاملا للترقي الروحي والعملي في الإسلام، يبدأ بأداء الفرائض التي هي الأساس والركيزة المتينة.
ثم يتدرج في مدارج النوافل التي تجبر النقص وتزيد في الرصيد، حتى يبلغ العبد منازل المحبين الذين يحظون برعاية الله الخاصة.
وهذه الرعاية تتجلى في حفظ الجوارح عن الحرام، وتوجيهها في مسارات الطاعة، واستجابة الدعوات، وتوفير الأمن النفسي والجسدي الدائم.
فالمؤمن العاقل هو الذي يجعل هذا الحديث نبراسا لحياته، يوالي أولياء الله، ويعادي أعداءه، ويجتهد في أداء الواجبات بحب وإتقان.
ويكثر من السنن الرواتب وقيام الليل وصيام النوافل والصدقات، ليكون من أحباب الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون أبدا.
نسأل الله العلي القدير أن يجعلنا من أوليائه المتقين، وحزبه المفلحين، وأن يرزقنا حبه وحب من يحبه وحب كل عمل يقربنا إلى حبه.
وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يعصم جوارحنا من الزلل، وأن يتقبل دعاءنا ويعيذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.
إنه سميع مجيب، قريب مجيب، وصلى الله وسلم وبارك على عبد الله ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين.