جارٍ التحميل...

جارٍ التحميل...
يروي هذا الحديث الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله عنه مبينا خصال الإيمان.
وقد جاء الحديث بصيغة الشرط التي تربط بين الإيمان بالله واليوم الآخر وبين هذه الأفعال.
والمقصود بهذه الصيغة البليغة هو الحث والإغراء والترغيب في التخلق بهذه الأخلاق الكريمة.
فكأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول إن كنت تؤمن بالله حقا فافعل كذا وكذا.
والإيمان بالله واليوم الآخر هو المحرك الأساسي لكل عمل صالح يصدر من الإنسان.
وقد بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بآفة اللسان لعظم خطره وأثره على الفرد والمجتمع.
فأمر المؤمن بأن يضبط لسانه فلا ينطق إلا بخير، أو فليلزم الصمت والسكوت.
لأن الكلمة ما دامت في جوفك فأنت تملكها، فإذا خرجت من فيك ملكتك وتحكمت بك.
والخير في الكلام ينقسم إلى قسمين رئيسيين، خير في المقال نفسه، وخير في المراد به.
أما الخير في المقال نفسه فهو كذكر الله عز وجل من تسبيح وتحميد وتلاوة للقرآن.
وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم العلم النافع وإرشاد الضال وتوجيهه.
وأما الخير لغيره فهو أن يقول قولا مباحا في أصله، لكنه يقصد به إدخال السرور على جلسائه.
فالمؤانسة والممازحة المباحة لإزالة الوحشة وحصول الألفة بين الإخوان تعتبر من الخير.
فلو جلست مع قوم صامتا طوال الوقت لاستوحشوا منك، فكان الحديث لإيناسهم خيرا.
وأما الشر في الكلام فهو المحرم كالغيبة والنميمة والكذب وشهادة الزور والسب والشتم.
وهذا النوع محرم قطعا، سواء كان شرا في ذاته أو شرا فيما يترتب عليه من المفاسد والفتن.
وأما القسم الثالث من الكلام فهو اللغو، وهو ما ليس فيه خير يرجى ولا شر يتقى.
فهذا النوع مباح في أصله ولا يأثم قائله، ولكنه تضييع للوقت والجهد والعمر الثمين.
لذلك كان الأفضل للمسلم والأكمل في إيمانه أن يسكت عن اللغو ويحفظ لسانه منه.
فإذا دار الأمر ووقع التردد بين أن تتكلم أو تسكت، فالمختار والأسلم لك هو السكوت.
وقد قيل قديما إذا كان الكلام من فضة فإن السكوت من ذهب خالص لا يصدأ ولا يتبدل.
وكم من كلمة غير محسوبة ألقت في قلب صاحبها البلاء، وأورثته ندامة طوال حياته.
ولما سأل معاذ بن جبل النبي عن ملاك الأمر كله، أخذ النبي بلسان نفسه وقال كف عليك هذا.
فأخبره أن الناس لا يكبون في النار على وجوههم إلا من حصائد ألسنتهم وما اقترفوه بها.
ثم انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الوصية الثانية وهي وجوب إكرام الجار وحفظ حقه.
والجار هو الملاصق لك أو القريب منك، سواء كان جارا في السكن والبيت أو جارا في المتجر.
وكلما كان الجار أقرب إليك بابا، كان حقه في الإكرام والإحسان وحسن الجوار أعظم وأولى.
وقد أطلق النبي كلمة الإكرام ولم يحددها بصدقة أو هدية أو مال أو طعام بعينه أو نوع محدد.
والقاعدة الفقهية تنص على أن كل ما أتى في الشرع مطلقا ولم يحدد، فإنه يرجع فيه إلى العرف.
فالإكرام يختلف باختلاف أحوال الجيران، فجارك الغني يكرم بتبادل الزيارات وحسن الاستقبال.
وجارك الفقير يكرم بتفقد حاله وإعطائه من الطعام والمال ومساعدته في قضاء حوائج عياله.
فما عده الناس في مجتمعك إكراما فهو الإكرام المأمور به شرعا في هذا الحديث العظيم.
وقد اختلف العلماء في تحديد مسافة الجوار، فورد في بعض الآثار أن الجار أربعون دارا من كل جانب.
ولكن هذا التحديد يصعب تطبيقه جدا في زماننا الحاضر الذي اتسعت فيه المدن وتكاثرت البنايات.
ففي عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانت الأربعون دارا تشغل مساحة صغيرة ومتقاربة جدا.
أما اليوم فإن أربعين دارا قد تعادل حيا كاملا أو قرية بأسرها، وتشتمل على آلاف البشر.
ولذلك قال المحققون إن هذا الأثر إن صح فهو منزل على الحال وطبيعة العمران في العهد النبوي.
أما إذا لم يصح الأثر أو تغيرت الأحوال، فإن المرجع في تحديد الجار يعود إلى العرف العام السائد.
فمن عده الناس جارا لك فهو جار، تثبت له حقوق الجوار من كف الأذى وبذل الندى وحسن المعاملة.
ومن أذية الجار رفع الأصوات المزعجة، أو إيقاف السيارات في طريقه، أو تتبع عورات بيته.
والوصية الثالثة في هذا الحديث هي وجوب إكرام الضيف، وهو المسافر الذي ينزل بك ويحل بساحتك.
فهذا الضيف له حق واجب في الإكرام والضيافة، وتلقيه بالبشر والسرور والوجه الطلق والترحيب.
وظاهر الحديث يعم كل ضيف، سواء كان واحدا أو جماعة، فمن نزل بك فأكرمه بما تستطيع وتقدر عليه.
وقد فصل بعض العلماء في حكم الضيافة، فرأوا أنها تجب في القرى والبوادي لعدم وجود مطاعم وفنادق.
أما في المدن الكبيرة والأمصار فلا تجب لوجود الأماكن المعدة للإيواء والمطاعم المفتوحة للناس.
ولكن ظاهر التوجيه النبوي يحمل على العموم في كل مكان، لأن إكرام الضيف من شيم الكرام وعلامات الإيمان.
فحتى في المدن، يظل نزول الضيف في بيتك أبلغ في الإكرام والمؤانسة من تركه يذهب إلى الفنادق.
فإشعار الضيف بالبهجة لدخوله، وتجهيز ما تيسر من الطعام، هو من صميم الضيافة الشرعية المطلوبة.
وقد يقع المسلم في حرج إذا نزل به ضيف وكان بيته ضيقا جدا لا يتسع لإيوائه، أو كان قليل ذات اليد.
أو كانت عائلته كثيرة، ودخول الضيف سيسبب لهم حرجا بالغا أو ضيقا شديدا في حركتهم وسكنهم.
ففي هذه الحالة للضرورة أحكامها، ويجوز للمضيف أن يعتذر بلباقة، ويقوم باستئجار غرفة في فندق لضيفه.
فيدفع له مبلغا من المال ليبيت في الفندق ويأكل في المطعم، وهذا يعتبر إكراما مجزئا في حالة الضرورة.
ولا شك أن إدخاله البيت أبلغ وأفضل متى ما تيسر ذلك، لكن الشريعة لا تكلف نفسا إلا وسعها وطاقتها.
فالمهم هو ألا يشعر الضيف بالمهانة أو الإهمال، وأن يرى من مضيفه حرصا على راحته وخدمته بالمعروف.
فكل وسيلة تؤدي إلى راحة الضيف وإشعاره بالكرامة والمحبة، فهي داخلة في مسمى الإكرام المأمور به.
وبهذه المرونة تتوافق توجيهات الشرع مع ظروف الزمان والمكان المتغيرة دون أن تخل بالمقاصد الأساسية.
إن المتأمل في هذه الوصايا الثلاث يدرك أن دين الإسلام هو دين الألفة والتقارب والتعارف والمحبة الصادقة.
فالإسلام يحرص على بناء مجتمع متماسك، يربط بين أفراده رباط الأخوة، ويحفظ لكل ذي حق حقه.
بخلاف المجتمعات التي لا تدين بهذا الدين، حيث تجد الجفاء والتباعد، ولا يكاد يعرف الجار جاره.
فالناس في تلك المجتمعات المادية متفرقون، لا تربطهم إلا المصالح الدنيوية العابرة والمنافع الشخصية.
أما المسلم فهو يؤمن بأن إحسانه لجاره وإكرامه لضيفه وحفظه للسانه هي من صميم إيمانه بربه واليوم الآخر.
وهذا الربط الوثيق بين العقيدة والسلوك هو ما يميز الشريعة الإسلامية ويجعلها صالحة لكل زمان ومكان.
فالأخلاق ليست مجرد عادات اجتماعية قابلة للتبديل، بل هي عبادات يتقرب بها العبد إلى خالقه لينال الأجر.
وبهذا المنهج الرباني ترتقي النفوس، وتصفو القلوب، وتتحول الحياة إلى دار عبادة مستمرة تسعد بها البشرية.