جارٍ التحميل...

جارٍ التحميل...
يبدأ الحديث السادس بتقسيم دقيق للأحكام الشرعية إلى ثلاثة أقسام واضحة المعالم.
القسم الأول هو الحلال البين الذي يعرفه كل إنسان ولا يلام أحد على فعله والتمتع به.
ومثاله التمتع بما أحل الله من الحبوب والثمار واللباس المباح وأشياء ليس لها حصر.
القسم الثاني هو الحرام البين الذي يلام فاعله ويعاقب عليه، وكل إنسان يعرف تحريمه.
ومثاله الزنا والسرقة وشرب الخمر وأكل الميتة ولحم الخنزير وما أشبه ذلك من المحرمات.
أما القسم الثالث فهو الأمور المشتبهة التي لا يعرف كثير من الناس هل هي حلال أم حرام.
وسبب الاشتباه إما أن يكون في الدليل نفسه، أو في انطباق الدليل على المسألة المعينة.
فقد يشكل على طالب العلم الحديث هل صح أم لم يصح، وهل يدل على الحكم أم لا يدل.
وقد قسم العلماء أسباب الاشتباه إلى أربعة أسباب رئيسية توجب خفاء الحكم على البعض.
السبب الأول هو قلة العلم، فواسع العلم يعرف من الأحكام ما لا يعرفه الآخرون الأقل علما.
السبب الثاني هو ضعف الفهم، فقد يكون الشخص واسع العلم ولكنه لا يفهم دلالات النصوص.
السبب الثالث هو التقصير في التدبر والبحث لمعرفة المعاني بحجة عدم لزوم ذلك وتكلفه.
السبب الرابع وهو أعظمها خطرا سوء القصد، بأن يقصد الإنسان نصر رأيه وهواه فقط.
وقوله لا يعلمهن كثير من الناس يفيد بمفهومه أن هناك من يعلم هذه المشتبهات ويفهمها.
فلو كانت النصوص مشتبهة على جميع الناس لم يكن القرآن بيانا ولضاع شيء من الشريعة.
ولكن الله بحكمته جعل هذه المشتبهات ليتبين الحريص على طلب العلم ممن ليس بحريص.
وقوله فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، أي من تجنبها أخذ البراءة لنفسه.
فقد استبرأ لدينه فيما بينه وبين الله تعالى، واستبرأ لعرضه فيما بينه وبين الناس والمجتمع.
لأن من يرتكب الأمور المشتبهة يجعل نفسه عرضة لكلام الناس واتهامهم له في دينه ومروءته.
وقوله ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، جملة شرطية تحتمل معنيين ذكرهما العلماء.
الأول أن ممارسة المشتبهات بحد ذاتها حرام، والثاني أنها ذريعة وطريق للوقوع في المحرم.
وبالنظر في المثال الذي ضربه النبي تتضح الرؤية وأن المعنى هو الإشراف والاقتراب من الحرام.
فمن حام حول المشتبهات وتساهل فيها، فإنه يوشك ويقترب جدا من ارتكاب الحرام البين.
وهذا من سد الذرائع، فكل طريق يوصل إلى محرم يجب إغلاقه لئلا يحصل الوقوع في المحظور.
ومن حسن تعليم النبي ضرب الأمثال المحسوسة لتقريب وتوضيح المعاني المعقولة للناس.
فضرب مثلا بالراعي الذي يرعى إبله أو غنمه حول مكان محمي لا يجوز دخوله والرعي فيه.
فالراعي حول هذه القطعة المحمية يوشك أن تقع بهائمه فيها لأنها إذا رأت العشب دخلت.
ويصعب على الراعي حينئذ منعها والسيطرة عليها، فكذلك المشتبهات إذا حام العبد حولها.
فإنه يصعب عليه أن يمنع نفسه من الانزلاق في الحرام لأن النفس أمارة بالسوء وتتوق للممنوع.
وقوله ألا وإن لكل ملك حمى، أداة استفتاح للتنبيه، يقرر بها واقعا معروفا بين الناس.
والحمى نوعان، حمى لمصالح المسلمين كإبل الصدقة والجهاد فهذا جائز ولا شيء فيه.
وحمى يختص به الحامي لنفسه ويمنع الناس من حقوقهم العامة، فهذا حرام وتعد على الغير.
ثم قال ألا وإن حمى الله محارمه، وهذه جملة مؤكدة تفيد التحذير الشديد من التجرؤ عليها.
فمحارم الله كالأرض المحمية للملك لا يجوز لأحد أن يقربها أو يتعدى حدودها المضروبة.
ثم ختم النبي الحديث ببيان مدار الصلاح والفساد فقال ألا وإن في الجسد مضغة.
والمضغة هي القطعة الصغيرة من اللحم بقدر ما يمضغه الإنسان عند الأكل في فمه.
إذا صلحت هذه المضغة صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب.
فمتى صلح القلب بالإيمان والتقوى صلحت جميع الجوارح واستقامت على طاعة الله تعالى.
وإذا فسد القلب بالشرك والنفاق وحب المعاصي، فسدت الجوارح وانحرفت عن طريق الهدى.
وهذا يدل دلالة قاطعة على أن تدبير أفعال الإنسان وحركاته عائد إلى قلبه وما يحمله.
وقد مثل بعض العلماء القلب بالملك، فإذا صلح الملك صلحت رعيته وإذا فسد فسدوا.
ولكن المحققين قالوا إن هذا المثال لا يستقيم تماما، لأن الملك قد يأمر ولا يطاع من رعيته.
أما القلب فإذا أمر الجوارح أطاعته ولابد، فهو أبلغ من الملك، وطاعته حتمية على الجسد.
ويتفرع على هذا التوجيه النبوي وجوب العناية بالقلب وتطهيره أكثر من العناية بعمل الظاهر.
لأن القلب هو الأساس الذي يمتحن عليه الإنسان يوم القيامة، وتبلى السرائر وتظهر الخفايا.
فيجب تطهير القلب من الشرك والبدع والحقد والبغضاء للمسلمين وسائر الأخلاق المنافية للشرع.
وفي هذا الحديث رد قوي على العصاة الذين إذا نهوا عن معصية ضربوا صدورهم محتجين.
وقالوا التقوى هاهنا، مستدلين بكلمة حق على باطل، ليبرروا عصيانهم الظاهر لله ورسوله.
والجواب عن تلبيس هؤلاء العصاة سهل جدا، وهو من نفس الحديث الذي استدلوا بمعناه.
فنقول لهم لو صلح ما هاهنا في قلوبكم من التقوى، لصلح ما هناك من أعمال جوارحكم.
لأن النبي الصادق المصدوق قال إذا صلحت صلح الجسد كله، ففساد الظاهر دليل فساد الباطن.
وصدق الشاعر حين قال لو كان حبك صادقا لأطعته، إن المحب لمن يحب مطيع.
فلا يمكن أن يكون القلب مليئا بالتقوى ومحبة الله، والجوارح تتجرأ على محارمه ومناهيه.
وهل في الحديث إشارة إلى أن العقل في القلب؟ الجواب نعم، فيه إشارة واضحة لذلك.
فالقرآن يصرح بأن العقل في القلب، قال تعالى ألم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها.
أما كيف يرتبط العقل بالقلب فهذا غيب لا نعلمه، فنؤمن به كما جاء دون تكلف للبحث في كيفيته.
ومن الفوائد التربوية في الحديث أن ترك المشتبهات مشروط بوجود دليل حقيقي على الشبهة.
أما إذا لم يقم دليل على وجود الشبهة فإن ذلك يعتبر من الوسواس والتعمق المذموم شرعا.
فإذا قدم لك مسلم ذبيحة فلا تسأل أذكر اسم الله عليها أم لا، لأن هذا من التنطع والوسوسة.
وإذا وقع على ثوبك أثر لا تدري أهو نجاسة أم ماء، فالأصل الطهارة ولا تلتفت للشكوك الوهمية.
فالقاعدة أن احتمال الاشتباه إذا قوي وجب الترك، وإذا ضعف أو انعدم كان الترك تعمقا وبدعة.
هذا الحديث العظيم من جوامع الكلم التي أوتيها النبي، ولو فصله العالم لبلغ مجلدات ضخمة.
وهو دستور لحياة المسلم في باب الورع والتقوى، وضابط للتعامل مع النوازل والمسائل الخفية.
نسأل الله أن يصلح قلوبنا، وأن يرزقنا الورع في ديننا، وأن يبعدنا عن المشتبهات والمحرمات.