جارٍ التحميل...

جارٍ التحميل...
يروي هذا الحديث الصحابي الجليل أبو سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
وهذا الحديث يعتبر قاعدة من أعظم قواعد الشريعة الإسلامية التي تحفظ الحقوق وتمنع التعدي والظلم.
فقوله لا ضرر ولا ضرار، يمثل ميزانا دقيقا في التعاملات، وينفي كل أشكال الإيذاء بين أفراد المجتمع.
والضرر لغة وشرعا يشمل كل ما يؤذي الإنسان في بدنه أو ماله أو أولاده أو مواشيه أو ممتلكاته كافة.
وقد فرق العلماء بين كلمة الضرر وكلمة الضرار، فالضرر هو الأذى الذي يقع من الإنسان بدون قصد منه.
وأما الضرار فهو الأذى الذي يوقعه الإنسان بغيره متعمدا، ولهذا جاءت الكلمة بصيغة المفاعلة والمغالبة.
فكلا الأمرين منفي ومحرم في شريعة الإسلام، فلا يجوز الإيذاء العمدي ولا الإيذاء غير المتعمد للناس.
والقاعدة الفقهية الكبرى المستنبطة من هذا الحديث تنص على أن الضرر يزال ويرفع متى ما ثبت وقوعه.
ولكي تتضح الصورة نضرب أمثلة عملية توضح الفرق الدقيق بين الضرر غير المقصود والضرار المتعمد.
فمثال الضرر أن يكون للرجل شجرة يسقيها، فيتسرب الماء من جداره ليفسد أساسات بيت جاره دون علمه.
فهذا العمل تسبب في أذى للجار، ولكنه وقع بحسن نية ومن غير قصد الإفساد، فيسمى في الشرع ضررا.
ومثال الضرار أن يحدث نزاع بين جارين، فيقوم أحدهما بتركيب آلة مزعجة جدا ملاصقة لجدار جاره للتشويش.
فغرضه الأساسي هنا هو إزعاج جاره والتنكيد عليه وحرمانه من الراحة، فهذا الفعل يسمى في الشرع ضرارا.
وفي كلتا الحالتين يجب رفع الأذى وإزالته فورا، فلا يسمح باستمرار تسرب الماء ولا ببقاء الآلة المزعجة.
ولكن صاحب الضرار يضاف إليه استحقاق العقوبة والتعزير لتعمده الإيذاء وسوء نيته وفساد طويته الباطنة.
فالشريعة الإسلامية لا تقر الضرر العفوي، وتنكر الإضرار المقصود بشدة وتتصدى له بحزم وقوة لردعه.
ويدخل هذا الحديث كأصل عظيم في أبواب فقهية كثيرة، ولا سيما في أبواب المعاملات والعقود المالية.
ففي البيع والشراء والرهن والشركات، يحرم كل عقد يتضمن إضرارا بأحد الطرفين أو استغلالا لحاجته.
وكذلك في أبواب الأنكحة والطلاق، لا يجوز للزوج أن يستغل حقه الشرعي للإضرار بزوجته أو الانتقام منها.
ففي الجاهلية كان الرجل يطلق زوجته، فإذا أوشكت عدتها على الانقضاء راجعها، ثم طلقها مرة أخرى بسوء نية.
ويكرر ذلك مرارا ليتركها معلقة، لا هي زوجة تتمتع بحقوقها، ولا هي مطلقة تستطيع الزواج بغيره بسلام.
فرفع الله تعالى هذا الظلم البين، وحدد الطلاق بثلاث مرات فقط، حماية للمرأة من هذا الضرار القاسي.
فبعد الطلقة الثالثة تبين منه بينونة كبرى، ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره نكاحا صحيحا لا حيلة فيه ولا مكر.
وبهذا التشريع العادل تم القضاء على وسيلة دنيئة من وسائل الإضرار النفسي والاجتماعي بالنساء الضعيفات.
ومن الأمثلة المعاصرة للضرار في الحياة الزوجية، تعنت بعض الآباء في مسألة حضانة الأولاد بعد الطلاق.
فالحضانة للأم شرعا ما لم تتزوج، فإذا أرادت الأم الزواج من رجل آخر، هددها طليقها بأخذ الأولاد منها.
وهو في الحقيقة لا يرغب في حضانتهم ولا يهتم برعايتهم، ولو أخذهم لأهملهم وتركهم لزوجته الجديدة تذلهم.
ولكنه يفعل ذلك مجرد نكاية ومضارة لمطلقته لكي يمنعها من الزواج وبناء حياة جديدة مستقرة لها.
فهذا السلوك محرم شرعا وعدوان صريح، ولو رضيت الأم وزوجها الجديد ببقاء الأولاد معها وجب تركهم.
لأن قصد الأب هنا ليس مصلحة الأولاد، بل هو الإضرار الخالص، والقاعدة أن كل إضرار يجب أن يرفع ويمنع.
فالقاضي الشرعي يتنبه لمثل هذه الحيل، ويحكم بما يحقق مصلحة المحضون ويدفع الضرر عن الأطراف كافة.
وهذا يعكس عمق الشريعة في قراءة النوايا الخبيثة وإبطال مفعولها بقواعد العدل والإنصاف الصارمة الواضحة.
ويمتد تطبيق هذه القاعدة العظيمة ليشمل أبواب الوصايا والمواريث التي يتلاعب بها بعض ضعاف النفوس.
فقد يوصي الرجل قبل موته بجزء كبير من ماله لشخص غريب، لا لشيء إلا لحرمان ورثته الشرعيين من حقهم.
وقد يقر بوجود دين وهمي عليه لجهة معينة، ليصرف أمواله عن ورثته نكاية بهم وغيظا ومضارة لهم بعد موته.
فهذا الفعل محرم وكبيرة من الكبائر، وقد قيد الشرع الوصية بالثلث فما دونه حماية لحقوق الورثة من الضياع.
وحتى الوصية بالثلث، إذا ثبت أنها بقصد الإضرار، فإنها ترد وتبطل، لأن الله قال من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار.
ومن الصور أيضا أن يكون للرجل ابن عم بعيد هو الوارث الوحيد له، فيوصي بماله كله ليمنع ابن عمه من الإرث.
فهذا التلاعب بأحكام الله محرم، ويجب على القضاء إبطال هذه الوصايا الجائرة وإرجاع الحقوق لأصحابها.
فكل تصرف مالي يثبت فيه قصد الإضرار بالغير فهو تصرف باطل شرعا، ولا ينفذ بأي حال من الأحوال العادية.
لو أن المسلمين ساروا على هدي هذا الحديث وطبقوه في واقعهم لصلحت أحوالهم وزالت خلافاتهم وخصوماتهم.
ولكن النفوس البشرية مجبولة على الشح وحب الذات والانتصار للنفس، مما يوقعها في الظلم والعدوان الأثيم.
فتجد الرجل يضيق على جاره في البناء، أو يزاحمه في تجارته بطرق غير مشروعة، أو يسيء استعمال سلطته.
وكل هذا يندرج تحت طائلة الضرار المحرم الذي يتوجب على الفرد تركه ديانة، وعلى الحاكم منعه قضاء وحسما.
وإن الشريعة الإسلامية تتميز بأنها شريعة بناء وإعمار، ترفض كل ما يهدم صرح المودة والمحبة بين الناس.
فالضرر يزال، سواء كان عاما يمس مصالح الأمة، أو خاصا يمس مصلحة فرد واحد من أفراد المجتمع المسلم.
وبهذه القاعدة الشاملة استطاع الفقهاء حل آلاف النوازل والمشكلات المستجدة في كل عصر ومصر بكفاءة تامة.
فهي معيار ذهبي يقاس به كل تصرف بشري لتحديد مدى مشروعيته وقبوله في ميزان الشرع الحنيف المطهر.
ومن الناحية الحديثية، فقد أشار الإمام النووي رحمه الله إلى أن هذا الحديث روي بعدة طرق وأسانيد متعددة.
فرواه ابن ماجه والدارقطني مسندا متصلا، ورواه الإمام مالك في الموطأ مرسلا بإسقاط الصحابي أبي سعيد.
والحديث المرسل في علم المصطلح يعتبر من أقسام الحديث الضعيف لجهالة الراوي الساقط من الإسناد النبوي.
ولكن بتعدد هذه الطرق والشواهد، يتقوى الحديث ويرتقي إلى درجة الحسن، كما صرح بذلك أئمة الحديث الشريف.
فالضعيفان إذا اجتمعا تقويا، كما قيل في الشعر لا تخاصم بواحد أهل بيت فضعيفان يغلبان قويا مفردا في الخصومة.
فالحديث ثابت ومقبول، وقد تلقته الأمة بالقبول التام، وبنى عليه الأئمة والفقهاء صروحا من الأحكام والمسائل.
وهو يغني عن مئات النصوص التفصيلية في بابه، لأنه يجمع شتات الفروع في قاعدة كلية واحدة محكمة الصياغة.
وهذا من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم الذي أوتي الحكمة وفصل الخطاب وفقه التشريع القويم السليم الشامل.
وختاما فإن المسلم مطالب بأن يكون رحمة مهداة لمن حوله، لا مصدر إزعاج أو قلق أو إيذاء لأحد من الخلق.
فالإيمان الصادق يثمر خلقا رفيعا يأبى على صاحبه أن يبيت مرتاحا وجاره يتألم من تصرفاته أو تعدياته عليه.
وكل إنسان يجب أن يراقب أفعاله وأقواله، ويزنها بميزان لا ضرر ولا ضرار، قبل أن يقدم على تنفيذها في الواقع.
فإن وجد فيها نفعا أو خيرا مضى فيها، وإن وجد فيها ضررا للغير أحجم عنها تقربا لله وخوفا من حسابه العسير.
وبهذه الرقابة الذاتية الواعية، تتحول المجتمعات إلى واحات من الأمن والاستقرار والسلام الاجتماعي الحقيقي.
نسأل الله العلي القدير أن يطهر قلوبنا من الغل والحسد، وأن يجنبنا الإضرار بأنفسنا وبإخواننا المسلمين.
وأن يعيننا على رفع الظلم والضرر عن المظلومين، وأن يجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر في كل مكان وزمان.
وأن يوفقنا للالتزام بهدي نبيه الأمين، الذي جاء بالرحمة والعدل ونفى الضرر والضرار عن العالمين أجمعين.