جارٍ التحميل...

جارٍ التحميل...
يروي أبو هريرة رضي الله عنه أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلب منه الوصية.
ولم يبين الراوي اسم هذا الرجل السائل، وهذا أمر يتكرر كثيرا في الأحاديث النبوية الشريفة.
والسر في إبهام الاسم هنا هو أن معرفة اسم السائل أو هويته لا يترتب عليها أي تغيير في الحكم الشرعي.
فالعبرة بعموم اللفظ والمعنى، وبعض العلماء يتعب نفسه جدا في البحث عن اسم السائل بلا فائدة عملية.
والوصية في لغة العرب تعني العهد إلى الشخص بأمر هام وجليل، كما يوصي الرجل على ثلث ماله أو أولاده.
فالسائل أراد نصيحة جامعة مانعة، فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة موجزة وهي لا تغضب.
ثم كرر الرجل الطلب مرارا، طمعا في وصية أخرى أو ظنا أن هذه الكلمة لا تكفي، فأجابه بنفس الكلمة.
وهذا التكرار النبوي يدل دلالة قاطعة على عظم شأن هذه الوصية، وخطورة الغضب على دين المرء ودنياه.
والغضب كما بين النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث أخرى هو جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم.
فتغلي بها دماء القلب، ولذلك ترى الغضبان يحمر وجهه، وتنتفخ أوداجه، وربما يقف شعر رأسه من الانفعال.
وقد اختلف العلماء في معنى قوله لا تغضب، فهل المراد النهي عن الغضب الطبيعي الذي يجده الإنسان في نفسه؟
أم المراد النهي عن تنفيذ مقتضى هذا الغضب والانقياد له بالقول والفعل بعد وقوعه واستيلاءه على القلب؟
فإن نظرنا إلى المعنى الأول، فهو يعني أن يوطن الإنسان نفسه، ويبرد أعصابه، ويضبط انفعالاته من البداية.
فلا يسمح للغضب أن يتسلل إلى قلبه أصلا، وهذا أمر شاق لأن الناس يختلفون في طباعهم وسرعة انفعالهم.
وأما المعنى الثاني فهو حق لا شك فيه، أي إذا غضبت فامسك عليك لسانك وجوارحك ولا تنفذ ما يمليه الغضب.
فلو غضب وأراد أن يطلق زوجته أو يضرب أحدا، فنقول له امتنع وتأن، فهذا هو التطبيق العملي للنهي.
ومن الفوائد العظيمة هنا أن المفتي والمعلم يجب أن يخاطب الناس بما تقتضيه أحوالهم وحاجاتهم الخاصة.
فقد يتساءل البعض لماذا لم يوص النبي هذا الرجل بتقوى الله كما هي الوصية المعهودة في القرآن الكريم؟
والجواب أن النبي صلى الله عليه وسلم كأنه عرف من حال هذا الرجل أنه شخص غضوب، فأوصاه بما يناسبه.
وهذا من فقه الدعوة، فإذا جاءك شخص تعرف أنه يصاحب الأشرار، فالأنسب أن توصيه بتركهم والابتعاد عنهم.
وإذا جاءك شخص يسيء معاملة أهله، فالأولى أن توصيه بحسن العشرة، فالمقام يقتضي هذا التخصيص في النصح.
وبهذا تتنوع الوصايا النبوية باختلاف السائلين وأحوالهم، وهذا من كمال حكمته وبلاغته صلوات الله عليه.
فالوصية بترك الغضب هنا كانت هي الدواء الناجع لهذا الرجل بعينه، وهي أيضا تشريع عام لمن كان في مثل حاله.
والمعلم الناجح هو الذي يشخص داء تلميذه بدقة، ثم يعطيه العلاج الذي يتناسب مع مرضه وطبيعته النفسية.
وإنما حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الغضب ونهى عنه، لما يترتب عليه من مفاسد عظيمة لا تحمد عقباها.
فكم من إنسان تملكه الغضب فطلق زوجته وتشتت شمل أسرته، ثم جاء يبحث عن مخرج يستر به خطيئته.
وكم من إنسان غضب فقال والله لا أكلم فلانا، أو حلف أيمانا مغلظة على قطيعة رحم، ثم ندم أشد الندم.
فالغضب يعمي البصيرة، ويفقد الإنسان صوابه، ويجعله يتصرف كالمجنون الذي لا يزن أفعاله ولا كلماته.
وقد عالجت الشريعة الإسلامية هذه الحالة الطارئة بوصفات ربانية تنقسم إلى دواء لفظي ودواء فعلي وعملي.
أما الدواء اللفظي فهو أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم بمجرد أن يحس ببوادر الغضب تغلي في صدره.
فقد رأى النبي رجلين يستبان، وقد احمر وجه أحدهما، فقال إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد.
لو قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فبهذه الكلمة يخنس الشيطان وتنطفئ جمرته التي أوقدها في القلب.
وأما الدواء الفعلي لامتصاص حرارة الغضب فقد أرشدنا إليه المربي الأعظم صلى الله عليه وسلم بخطوات عملية.
فأمر الغضبان إذا كان قائما أن يجلس، فإن لم يذهب عنه الغضب فليضطجع ويستلقي على جنبه حتى يهدأ.
والحكمة في ذلك أن تغير الهيئة الظاهرية للجسد بالنزول إلى الأرض يوجب تغير الحال الباطنية وسكونها.
فإن لم يفد هذا الدواء، شرع له أن يذهب فيتوضأ بالماء البارد، لأن الغضب من النار، والنار تطفأ بالماء.
ولا يقتصر الأمر على هذه الأدوية المنصوص عليها، بل يتعداها إلى كل تصرف مباح يزيل الغضب ويسكته.
فمن الأدوية المجربة أن يغادر الغضبان المكان الذي وقعت فيه المشكلة، ويخرج من البيت تجنبا لتفاقم النزاع.
فالخروج يقطع حبل النقاش الحاد، ويعطي النفس فرصة للتنفس والتفكير بهدوء بعيدا عن مؤثرات الاستفزاز.
وكل هذه التدابير تدل على حرص الإسلام على حفظ توازن المسلم النفسي ومنعه من اتخاذ قرارات متسرعة.
إن النهي عن مساوئ الأخلاق كالغضب، يستلزم بالضرورة الأمر بالتحلي بمحاسن الأخلاق كالحلم والأناة والرفق.
فالمسلم مطالب بأن يعود نفسه على سعة الصدر، وتحمل زلات الناس، وكظم الغيظ عند القدرة على الانتقام.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أضرب الأمثال في الحلم، حتى مع من أساء إليه وتطاول على مقامه الشريف.
فقد أتاه أعرابي فجذب رداءه جذبة شديدة أثرت في صفحة عنقه الشريف، وطلب منه المال بأسلوب جاف وغلظة.
فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن التفت إليه وضحك، ثم أمر له بعطاء ولم يغضب أو ينتقم لنفسه.
وهذا الموقف العظيم لو تعرض له أي إنسان عادي لغضب غضبا شديدا ولعاقب الأعرابي على سوء أدبه وفعله.
لكن الحليم هو الذي يملك نفسه عند الغضب، ولا تدفعه حماقة الجاهلين إلى الخروج عن طوره ووقاره المعهود.
والحلم بالتحلم، فمن جاهد نفسه على كظم الغيظ أورثه الله حلاوة في قلبه ومحبة في قلوب الخلق أجمعين.
إن الغضب ليس مجرد آفة اجتماعية تفسد العلاقات، بل هو داء يفتك بصحة الإنسان البدنية والنفسية أيضا.
فقد أثبتت الدراسات الحديثة أن الانفعالات الحادة تقف وراء الكثير من الأمراض العصرية الخطيرة والقاتلة.
فأمراض الضغط والسكري والجلطات القلبية والدماغية كثيرا ما تكون نتيجتها المباشرة نوبات الغضب المتكررة.
فالمسلم عندما يمتثل لوصية النبي صلى الله عليه وسلم بترك الغضب، فإنه يحافظ على دينه وصحته معا.
ويوفر على نفسه عناء مراجعة الأطباء وتجرع مرارة الندم على كلمات قالها أو أفعال ارتكبها في لحظة طيش.
والقوي الحقيقي في ميزان الإسلام ليس هو البطل الشجاع الذي يصرع الرجال في حلبات المصارعة والقتال.
بل القوي هو الذي يملك نفسه عند الغضب، ويقود زمام إرادته بحكمة، فلا تغلبه عاطفة ولا تستفزه حماقة.
وهذه القوة الباطنية هي التي تبني الرجال، وتصنع القادة، وتحمي المجتمعات من التفكك والانهيار الأخلاقي.
ويؤخذ من هذا الحديث حرص الصحابة رضي الله عنهم على طلب العلم النافع الذي يقربهم إلى الله تعالى.
وأنهم كانوا لا يقتصرون على مجرد السؤال والمعرفة النظرية، بل كانوا يبادرون للعمل وتطبيق ما يسمعون.
فكثير من الناس في زماننا يسألون عن الأحكام ويتعلمونها، لكنهم يتثاقلون عن العمل بها وتطبيقها في واقعهم.
أما الصحابة فكانوا إذا سألوا عن الدواء استعملوه، وإذا عرفوا الحق التزموه، ولذلك سادوا الأمم وفتحوا القلوب.
كما نتعلم من الحديث أن التكرار في الدعوة والتعليم وسيلة ناجعة لتأكيد المعنى وترسيخه في ذهن السامع.
فالنبي لم يمل من تكرار الوصية، والسائل لم يمل من طلب المزيد، في حوار راق يجسد أدب المعلم والمتعلم.
نسأل الله أن يجنبنا نزغات الشياطين، وأن يرزقنا الحلم والرفق في كل أمورنا، وأن يطهر قلوبنا من الغيظ.
وأن يجعلنا ممن إذا غضبوا غفروا، وإذا أسيء إليهم عفوا، إنه سميع مجيب الدعوات ورب الأرض والسموات.