جارٍ التحميل...

جارٍ التحميل...
يروي هذا الحديث حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وهو أصل من أصول القضاء وفض المنازعات.
ويبدأ النبي صلى الله عليه وسلم ببيان طبيعة النفس البشرية إذا تركت بلا ضوابط صارمة تحكم ادعاءاتها الكثيرة.
فيقول لو يعطى الناس بدعواهم، أي لو أن كل من ادعى حقا لنفسه أعطاه القاضي أو المصلح ما طلب بلا دليل.
لأدى ذلك إلى فوضى عارمة، ولتجرأ أقوام لا يخافون الله على ادعاء ما ليس لهم من أموال الناس ودمائهم المعصومة.
فالدعوى هي المطالبة بشيء، سواء كانت إثباتا كأن يقول لي في ذمة فلان ألف ريال، أو نفيا كأن ينكر دينا عليه.
فلو قبلت هذه الدعاوى المجردة، لادعى رجال أموال قوم ظلما وعدوانا، ولادعوا دماءهم زاعمين أنهم قتلوهم قصدا.
وفي هذا تبيان لحرص الشريعة الإسلامية العظيمة على حماية أرواح الناس وأموالهم من التلاعب والافتراءات الباطلة.
فلم تترك الحقوق عرضة لأطماع الكاذبين، بل سورتها بسياج من الإجراءات التي تضمن وصول الحق لمستحقيه فقط.
ولحسم هذا الأمر، وضع النبي صلى الله عليه وسلم القاعدة القضائية الذهبية فقال ولكن البينة على المدعي دائما.
فالمدعي هو المطالب بالحق، وهو الذي يخالف قوله الأصل، فعليه أن يأتي بالبينة التي تثبت صدق دعواه أمام القاضي.
ثم قال واليمين على من أنكر، أي أن المدعى عليه الذي ينكر الحق، يكفيه أن يحلف يمينا لدفع هذه الدعوى عنه.
وذلك لأن الأصل براءة ذمته، واليقين لا يزول بالشك، فمن تمسك بالأصل كفاه اليمين لتبرئة ساحته أمام القضاء.
فإذا عجز المدعي عن تقديم البينة، توجه القاضي للمدعى عليه وطلب منه القسم بالله أنه بريء من هذا الادعاء الموجه له.
فإن حلف سقطت الدعوى ونجا، وإن رفض الحلف ونكل، اعتبر نكوله إقرارا وقضي عليه بالحق لصالح المدعي فورا.
وهذا التقسيم الدقيق يوزع عبء الإثبات بعدالة، ويمنع الخصومات العبثية التي ترهق المحاكم وتشغل القضاة وتضيع الوقت.
ويعلم المسلم أن المطالبة بالحقوق ليست مجرد أقوال مرسلة، بل تحتاج إلى أدلة قاطعة لا تقبل الشك والريب والطعن.
والبينة في لغة الشرع لا تقتصر على الشهود فقط، بل هي اسم لكل ما يبين الحق ويوضحه ويجلوه كالشمس في رابعة النهار.
فمن البينات شهادة رجلين، أو رجل وامرأتين، كما ورد في القرآن الكريم في آيات المداينات وحفظ الحقوق من الضياع.
ومن البينات القوية قرائن الأحوال الظاهرة التي لا تدع مجالا للشك، وتكون أحيانا أقوى وأصدق من شهادة الشهود.
فلو رأينا رجلا مكشوف الرأس يركض خلف رجل يلبس عمامة ويحمل بيده عمامة أخرى، ويقول أعطني عمامتي المسروقة.
فإن ظاهر الحال يشهد بصدق الرجل مكشوف الرأس، لأن العادة لم تجر أن يلبس الإنسان عمامة ويحمل أخرى في يده.
فهذه القرينة المادية الواضحة تعتبر بينة قاطعة ترجح كفة المدعي، ويحكم له القاضي برد عمامته إليه فورا بلا تردد.
ولو اختلف الزوجان في أثاث المنزل، فالأشياء التي تخص الرجال للزوج، والأشياء التي تخص النساء للزوجة حكما.
هذا إذا لم تكن هناك بينة أخرى، فالقرائن تلعب دورا حاسما في ترجيح الادعاءات واستجلاء الحقائق المخفية عن الأعين.
ولنا في قصص الأنبياء عليهم السلام أمثلة رائعة في استخدام القرائن كبينات قاطعة للفصل في الخصومات الصعبة المعقدة.
فقصة المرأتين اللتين أكله الذئب ولد إحداهما، واحتكمتا إلى نبي الله داود عليه السلام، فقضى بالولد للكبرى اجتهادا.
فلما خرجتا لسليمان عليه السلام وأخبرتاه، أراد أن يستخرج البينة العاطفية، فطلب سكينا ليشق الولد بينهما نصفين.
فوافقت الكبرى لأنها لا تبالي بعد أن فقدت ولدها، بينما صرخت الصغرى شفقة وقالت هو ولدها لا تقتله يرحمك الله.
فاستدل سليمان بهذه العاطفة الجياشة والشفقة الفطرية على أن الولد للصغرى، فقضى به لها بفضل هذه القرينة القوية.
وكذلك قصة نبي الله يوسف عليه السلام مع امرأة العزيز، حين مزقت قميصه وهو يهرب من مراودتها له عن نفسه.
فحكم الشاهد بقرينة مكان التمزيق، فإن كان من قبل فصدقت، وإن كان من دبر فهي الكاذبة وهو من الصادقين الأبرار.
فلما رأى قميصه قد من دبر، ظهرت البينة جلية على براءته ونزاهته، وانكشف كيدها ومكرها العظيم أمام الجميع بوضوح.
ومن الأمثلة المعاصرة لاستخدام القرائن في المحاكم، أن تدعي امرأة على زوجها أنه لم ينفق عليها منذ سنة كاملة.
بينما يراه الجيران والناس يوميا يحمل أكياس الطعام والشراب واحتياجات المنزل ويدخل بها إلى بيته وزوجته وأولاده.
وليس في البيت سواه وزوجته، فهذه المشاهدة اليومية تعتبر قرينة قوية تكذب ادعاءها وتثبت نفقة الزوج عليها بانتظام.
فلا يطالب الزوج هنا ببينة لإثبات نفقته، لأن ظاهر الحال والقرائن المحيطة تقف في صفه وتدعم موقفه بقوة تامة.
ومن التطبيقات الدقيقة لهذه القاعدة مسألة القسامة في جرائم القتل التي يكتنفها الغموض وتوجد فيها عداوات سابقة.
فالقسامة شرعت إذا وجد قتيل في أرض قوم بينهم وبين قبيلة القتيل عداوة ظاهرة، فادعوا أنهم هم من قتلوه غدرا.
ففي هذه الحالة الاستثنائية، تنتقل الأيمان إلى جهة المدعين، فيحلف خمسون رجلا منهم أن فلانا هو القاتل لصاحبهم.
فإذا حلفوا، استحقوا دم القاتل، وهذا استثناء من القاعدة العامة مبني على وجود قرينة العداوة الظاهرة بينهم قديما.
وقد يعترض البعض بأن القسامة تخالف القياس العام الذي جعل اليمين على المدعى عليه وليس على المدعي المطالب بالحق.
ويجيب العلماء بأن القسامة تتوافق تماما مع روح الشريعة، لأن القرينة هنا وهي العداوة أصبحت بمثابة البينة القاطعة.
فالمدعون هنا معهم ظاهر الحال، فقوي جانبهم بهذه القرينة، فشرع لهم الحلف لإثبات حقهم واستيفاء القصاص العادل.
وتغليظ الأيمان لتكون خمسين يمينا هو لتعظيم شأن الدماء، وللتأكد من عدم التسرع في إزهاق روح المتهم بالشبهات.
وحتى لو لم يشاهد المدعون حادثة القتل بأعينهم، فإنه يجوز لهم الحلف بناء على غلبة الظن والقرائن القوية المتاحة.
وهذا يدل على مرونة الفقه الإسلامي وقدرته على استيعاب الحالات المعقدة وتحقيق العدالة بأدق صورها الممكنة للناس.
فلا تضيع الدماء هدرا، ولا يتجرأ المجرمون على القتل استغلالا لصعوبة توفر الشهود في أماكن الخلوات والتخفي عن الأعين.
وهكذا تتكامل أحكام الشريعة لتكوين منظومة قضائية محكمة، لا تترك ثغرة للمتلاعبين ولا سبيلا للظالمين قط في الأرض.
ومن الأحكام المترتبة على هذا الحديث، مسألة نكول المدعى عليه عن اليمين إذا طلبت منه لعدم وجود بينة للمدعي.
فإذا أنكر المدعى عليه الحق، وقلنا له احلف بالله أنك بريء، فامتنع عن الحلف وتلكأ، فإنه يقضى عليه بالنكول المباشر.
لأنه بامتناعه عن اليمين السهلة قد أظهر ضعفه وقوة موقف المدعي، فيعتبر نكوله بمثابة الإقرار الضمني بالحق المدعى.
وهذا يمنع المماطلة في أروقة المحاكم، ويجبر الخصوم على حسم النزاع إما بالاعتراف أو بالحلف المبرئ للذمة نهائيا.
واليمين المطلوبة هنا هي اليمين الحاسمة، التي تقطع النزاع وتنهي الخصومة الدنيوية، ولكنها لا تبرئ في الآخرة قطعا.
فمن حلف كاذبا ليأكل مال امرئ مسلم، فقد لقي الله وهو عليه غضبان، ويمينه هذه هي اليمين الغموس المهلكة لصاحبها.
التي تغمس صاحبها في الإثم في الدنيا، ثم تغمسه في قعر جهنم في الآخرة، ولا كفارة لها لعظم جرمها وفظاعتها الشديدة.
فالمسلم التقي يرتجف قلبه من مجرد التفكير في الحلف كذبا، ويفضل خسارة الدنيا كلها على أن يلقى الله بيمين فاجرة.
إن هذا الحديث العظيم يؤسس لمجتمع تحكمه العدالة والشفافية، وتنضبط فيه الحقوق بقواعد صارمة وواضحة المعالم.
فالقاضي يجد في هذا الحديث منهجا متكاملا يريحه من التخبط، والمتقاضون يعرفون ما لهم وما عليهم مسبقا قبل التقاضي.
وبهذا تقل الدعاوى الكيدية، وتختفي المطالبات المبنية على الطمع والابتزاز، ويسود الأمن المالي والاجتماعي بين الناس.
ويجب على كل مسلم أن يتريث قبل أن يدعي حقا ليس له فيه بينة، لئلا يضع نفسه في موقف الضعيف أمام القضاء الشرعي.
وعليه أن يحترم حقوق الآخرين، ولا ينكر ما في ذمته من ديون أو التزامات، فإن الله رقيب على خفايا الصدور ونواياها.
نسأل الله العلي القدير أن يغنينا بحلاله عن حرامه، وأن يبعدنا عن أكل أموال الناس بالباطل والبهتان والزور والخديعة.
وأن يعين قضاة المسلمين على تحري الحق وإقامة العدل بين الناس، وأن يرزقنا الانقياد لشرعه والرضا بأحكامه العادلة.
وأن يحفظ علينا ديننا ودنيانا، وأن يجعلنا من الصادقين في أقوالنا وأفعالنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه وحده سبحانه.