جارٍ التحميل...

جارٍ التحميل...
يبدأ الحديث بذكر راويه تميم بن أوس الداري الذي كني بأبي رقية، وهي كنية بأنثى.
والغالب أن تكون الكنية بذكر، لكن تجوز بالأنثى وتجوز بغير الإنسان كأبي هريرة رضي الله عنه.
وقوله الدين النصيحة، جملة تتكون من مبتدأ وخبر، وكلاهما معرفة بأل للتعريف المطلق.
وعلماء البلاغة يقررون أن تعريف المبتدأ والخبر يعتبر من أقوى طرق الحصر والقصر في اللغة.
فالمعنى كأنه يقول ما الدين إلا النصيحة، وهذا يدل على عظم شأنها وأنها تحيط بالدين كله.
والمراد بالدين هنا دين العمل، لأن الدين ينقسم إلى دين عمل ودين جزاء كما في يوم الدين.
والنصيحة في اللغة تعني إخلاص الشيء وتصفيته من الشوائب، يقال نصحت العسل إذا صفيته.
وفي الشرع هي إرادة الخير للمنصوح، وقد كررها النبي ثلاثا في بعض الروايات لتأكيد شأنها.
وأبهم النبي لمن تكون النصيحة ليستفهم الصحابة، وهذا من أساليب التعليم النبوي لرسوخ العلم.
فالبيان بعد الإجمال يجعل النفس متطلعة للجواب متشوقة له، فيرسخ في الذهن ولا ينسى.
فسأل الصحابة لمن يا رسول الله؟ فبدأ بالنصيحة لله، وتتضمن إخلاص العبادة له وحده.
وتتضمن الشهادة له بالوحدانية في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته دون تحريف أو تعطيل.
ثم ثنى بالنصيحة لكتابه، وتكون بالذب عنه وتنزيهه عن تحريف المبطلين وتأويل الجاهلين.
وتكون بتصديق أخباره تصديقا جازما لا شك فيه، فمن كذب خبرا في القرآن لم يكن ناصحا له.
وتشمل امتثال أوامره واجتناب نواهيه، والإيمان بأن أحكامه هي خير الأحكام وأعدلها للبشر.
وأن تعتقد أنه كلام الله حروفا ومعاني، تكلم به حقيقة ونزل به جبريل على قلب النبي محمد.
والنصيحة لرسول الله تكون بتجريد المتابعة له، وأن تتخذه أسوة حسنة في كل أقوالك وأفعالك.
وتكون بالإيمان الجازم بأنه رسول الله حقا، لم يكذب في دعواه ولم يُكذب، بل هو الصادق المصدوق.
وأن تؤمن وتصدق بكل ما أخبر به من الأخبار الماضية والحاضرة والمستقبلة وتنقاد لسنته.
وتمتثل أمره وتجتنب نهيه، وتذب عن شريعته وترد الشبهات التي يثيرها أعداء الإسلام حوله.
وأن تعتقد أن ما صح من سنته فهو كالقرآن في وجوب العمل به، لأن طاعته من طاعة الله.
والنصرة للنبي إن كان حيا فبالجهاد معه والذود عنه، وإن كان ميتا فبنصرة سنته ونشرها بين الناس.
وقد قدم النبي ذكر الكتاب على الرسول لأن الكتاب باق ومحفوظ، والرسول يموت ويلحق بربه.
على أن النصيحة للكتاب والرسول متلازمتان، فمن نصح للكتاب نصح للرسول، والعكس بالعكس.
ثم قال ولأئمة المسلمين، والإمام هو القدوة، وأئمة المسلمين ينقسمون إلى صنفين أساسيين.
الصنف الأول هم العلماء الربانيون الذين ورثوا الأنبياء علما وعبادة وأخلاقا ودعوة وتوجيها.
وهم أولو الأمر حقيقة في بيان الدين، والنصيحة لهم تكون بمحبتهم أولا ليتأسى الناس بهم.
وتكون بمعاونتهم في نشر علمهم وكتبهم بالوسائل المتنوعة المتاحة في كل زمان ومكان.
ومن أعظم النصيحة لهم الذب عن أعراضهم ورد الشائعات والأكاذيب التي تلفق ضدهم ليل نهار.
وإذا نسب لعالم قول مستنكر وجب التثبت أولا، ثم التأمل فيه هل هو حق أم باطل قبل الحكم.
فإن كان حقا ذببت عنه، وإن رأيته خطأ اتصلت به بأدب ووقار لتستبين منه وجه قوله ومأخذه.
ومن الخطأ العظيم ما يفعله الجهلة من مهاجمة العلماء بعنف وسوء أدب لمجرد المخالفة في الرأي.
ومن النصيحة للعلماء أن تدلهم على خير ما يكون في دعوة الناس ومراعاة أحوالهم وقدراتهم.
فإن رأيت عالما يكثر الموعظة حتى يمل الناس، فمن النصيحة أن تشير عليه بالاختصار والتخول.
كما كان النبي يتخول أصحابه بالموعظة كراهة السآمة عليهم، وهذا من حفظ العلم وليس كتمانا له.
الصنف الثاني من أئمة المسلمين هم الأمراء والحكام المنفذون لشرع الله في أنفسهم وفي الرعية.
فالعلماء مبينون للدين، والأمراء منفذون له، والنصيحة للأمراء تكون أولا باعتقاد إمامتهم وإمرتهم.
فمن لم يعتقد بيعتهم فلن يمتثل أمرهم، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية مذمومة.
وتكون بنشر محاسنهم بين الرعية لأن ذلك يجلب المحبة ويسهل الانقياد لأوامرهم وتحقيق الأمن.
وهذا عكس مسلك أهل الفتنة الذين ينشرون المعايب ويخفون الحسنات، فهذا جور وظلم مبين.
ومن النصيحة لهم امتثال أمرهم واجتناب نهيهم ما لم يأمروا بمعصية، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وطاعتهم بالمعروف عبادة وقربة لله وليست مجرد سياسة، لأن الله أمر بها في كتابه الكريم.
وتكون بستر معايبهم ما أمكن، ونصحهم سرا المباشرة أو بواسطة من يتصل بهم من أهل الفضل.
لأن نشر معايبهم علنا يملأ القلوب غيظا وحقدا، ويؤدي إلى التمرد والفوضى وإراقة الدماء المحرمة.
كما يجب عدم الخروج عليهم ومنابذتهم بالسيف، إلا إذا ظهر منهم كفر بواح فيه من الله برهان قاطع.
ومع جزمنا بالكفر البواح لا يجوز الخروج إلا مع القدرة والمصلحة، تفاديا للفتن وسفك الدماء.
كما وقع في التاريخ من مفاسد عظيمة بسبب الاستعجال والخروج غير المتكافئ على ولاة الأمور.
فمراعاة المصالح ودرء المفاسد من أعظم قواعد الشريعة في التعامل مع الحكام وحقوق الرعية.
ثم ختم النبي تفصيل النصيحة بقوله وعامتهم، أي عوام المسلمين من غير العلماء والأمراء.
والنصيحة لهم تكون بإبداء المحبة، وبشاشة الوجه، وإلقاء السلام، ومساعدتهم في قضاء حوائجهم.
وتكون بتعليم جاهلهم، وتذكير غافلهم، وإرشادهم لما فيه صلاح دينهم ودنياهم بالرفق واللين.
ويجب أن تدرك أن خطابك للعامي يختلف عن خطابك للأمير، وخطابك للجاهل غير خطابك للمعاند.
فلكل مقام مقال، والحكمة ضالة المؤمن، يضع فيها النصيحة في قالبها المناسب لتقع في القلوب.
وفي هذا الحديث بيان لقاعدة البداءة بالأهم فالأهم، حيث بدأ بحق الله ثم رسوله ثم الأئمة.
وفيه إشارة واضحة إلى أن المجتمع الإسلامي مجتمع منظم لابد له من إمام يقوده ويرعى شؤونه.
سواء كانت الإمامة عامة كخليفة المسلمين، أو خاصة كإمام المسجد الذي لا يفتات على حقه.
ولهذا الترتيب شرع تأمير أحد المسافرين إذا كانوا ثلاثة، لئلا يكون أمرهم فوضى بلا قائد.
وتجب طاعة هذا أمير السفر في كل ما يتعلق بمصلحة السفر كاختيار مكان النزول والرحيل والطعام.
أما في الأمور الخاصة كتقديم النعل فلا تجب طاعته، لأن إمرته مقيدة بحدود السفر ومصالحه.
وهذا الحديث أصل في أهمية النصيحة في بناء مجتمع إسلامي متكافل، يسعى كل فرد فيه لخير أخيه.
وفيه إثبات أن الصحابة كانوا لا يدعون شيئا يحتاج لبيان إلا سألوا عنه النبي ليستبينوا الحق.
وما لم يسألوا عنه ككيفية صفات الله وأمور الغيب، فالواجب علينا الكف عنه وعدم التنطع فيه.
وقد عد الإمام مالك السؤال عن كيفية الاستواء بدعة، لأن الصحابة الأحرص منا على العلم لم يسألوا عنه.
فهذا الحديث على قلة ألفاظه جامع لخيري الدنيا والآخرة، ومنهج حياة متكامل لكل مسلم.