جارٍ التحميل...

جارٍ التحميل...
عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.
هذا الحديث العظيم يعتبر من قواعد الشريعة الكبرى التي تبرز سعة رحمة الله ولطفه بعباده، ورفع الحرج والمشقة عن هذه الأمة المرحومة.
وقد حكم بعض المحدثين بضعف إسناده، ولكن معناه صحيح ثابت بأدلة صريحة من القرآن الكريم والسنة النبوية المتواترة التي تؤيده وتسانده.
فالخطأ والنسيان مدفوعان بقوله تعالى ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، والمكره معذور بقوله تعالى إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان.
فقوله تجاوز لي اللام هنا للتعليل، أي تجاوز من أجلي إكراما لي عن أمتي، والتجاوز هو العفو والصفح ورفع الإثم والعقوبة الأخروية البالغة.
والخطأ أن يرتكب الإنسان الفعل المحرم من غير قصد ولا تعمد، كمن يصطاد فيرمي صيدا فيصيب إنسانا معصوما فيقتله خطأ دون نية القتل.
والنسيان هو ذهول القلب عن شيء معلوم من قبل، كمن يعلم أن الصيام يمنع الأكل، ولكنه يأكل في نهار رمضان غافلا عن كونه صائما الآن.
والاستكراه هو أن يلزم الإنسان بفعل محرم تحت تهديد لا طاقة له بدفعه، كأن يهدد بالقتل أو العذاب الشديد إن لم يفعل هذا المحرم فورا.
ففي هذه الحالات الثلاث، يرفع الله الإثم عن فاعلها، ويعذره لانتفاء القصد والعمد، ولكن هذا العفو يختص بحق الله عز وجل من الإثم والمؤاخذة.
أما حقوق الآدميين فلا تسقط بالخطأ أو النسيان، بل يجب فيها الضمان المالي لجبر الضرر الذي لحق بالغير، لأن حقوق العباد مبنية على المشاحة.
فمن أخذ شاة جاره فذبحها وأكلها يظنها شاته خطأ، فإنه لا يأثم، ولكنه يلزم بضمان قيمتها لجاره، حفظا للأموال وحقوق الناس من التلف والضياع.
وكذلك المكره، يعذر في المحرمات التي تخص حقه أو حق الله، كالإكراه على الفطر في رمضان، أو الإكراه على شرب الخمر تحت التهديد بالقتل.
ولكن الإكراه لا يعذره في التعدي على دماء الآخرين، فلو أكره رجل على قتل معصوم وقيل له اقتله أو نقتلك، فلا يجوز له قتله إطلاقا لينجو بنفسه.
لأن نفسه ليست بأولى من نفس المقتول، فلا يجوز استبقاء حياته بإهلاك حياة غيره المعصوم، فإن فعل وقتله، فإنه يقتل قصاصا ولو كان مكرها خائفا.
أما لو أخذ المكره كآلة، كأن يمسك رجل قوي بشخص ويقذفه على طفل فيموت الطفل، فالضمان والقصاص على القوي الذي استخدمه كآلة صماء للتنفيذ.
فهذا التفصيل الدقيق يوازن بين رفع الحرج عن المكلفين في حالات العذر، وبين حماية دماء الناس وأموالهم من الانتهاك تحت دعاوى الإكراه والخطأ.
ومن أمثلة العذر بالجهل والخطأ في العبادات، قصة معاوية بن الحكم السلمي حين تكلم في الصلاة جاهلا بتحريم الكلام، فشمت عاطسا أثناء الصلاة.
فلم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بإعادة الصلاة، بل علمه بلطف وقال إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، فعذره بجهله وخطئه.
ومن أمثلة العذر بالنسيان في الصلاة، رجل استأذن عليه طارق وهو يصلي، فقال له تفضل ناسيا أنه في الصلاة، فصلاته صحيحة ولا تبطل لنسيانه.
ومن أمثلتها في الصيام، قصة الصحابة الذين أفطروا في يوم غيم ظنا منهم أن الشمس قد غربت، ثم طلعت الشمس بعد فطرهم، ولم يؤمروا بالقضاء.
لأنهم كانوا جاهلين ببقاء النهار مخطئين في تقديرهم، ولو علموا بقاء الشمس لما أفطروا قطعا، فعذرهم الشرع ولم يكلفهم إعادة ذلك اليوم الصيفي.
ولكن هذا العذر بالجهل ينطبق على من يجهل الحكم الشرعي أصلا، كحديث العهد بالإسلام الذي لا يعلم تحريم الخمر فشربها، فلا يحد لجهله المطبق.
أما من يعلم تحريم الفعل ولكنه يجهل العقوبة المترتبة عليه، فلا يعذر، كمن يعلم أن الزنا حرام لكنه يجهل أن عقوبته الرجم، فإنه يرجم ولا يعذر بجهله.
لأن الجهل بالعقوبة لا يبيح انتهاك المحرم المعلوم تحريمه، بل يجب على المسلم اجتناب الحرام تعظيما لله بغض النظر عن نوع العقوبة ومقدارها.
وهناك مسألة فقهية هامة، وهي أن العذر بالنسيان والجهل يسقط الإثم في ترك المأمورات، ولكنه لا يسقط المطالبة بقضاء الواجب إذا تذكره وعلمه.
فمن نسي صلاة أو نام عنها، سقط عنه إثم التأخير لعذره، ولكنه يجب عليه أن يصليها متى ذكرها، لقول النبي فليصلها إذا ذكرها، ولا تسقط عنه أبدا.
ومن أكل لحم إبل وهو لا يعلم أنه ينقض الوضوء، ثم صلى، وجب عليه إعادة الوضوء والصلاة، لأن الواجب دين في ذمته يمكن تداركه وقضاؤه حالا.
ويستثنى من ذلك بعض الحالات التي يشق فيها القضاء وتتقادم لجهل مطبق لا حيلة فيه، كالبدوية التي حاضت مبكرا ولم تصم جهلا لسنوات طويلة.
فإنها لا تلزم بقضاء تلك السنوات المتراكمة لجهلها المطبق وعدم وجود من يعلمها، ولأن الواجبات لا تلزم إلا بعد العلم بها وبلوغ التكليف الشرعي.
أما إن كان الجهل ناتجا عن تفريط وإعراض وتكاسل عن سؤال العلماء، كمن يعيش في مدينة العلم ويترك الزكاة جهلا، فإنه يأثم ويلزم بالقضاء بأثر رجعي.
لأن الزكاة حق للفقراء لا يسقط بالتقادم، وتفريطه في السؤال يجعله آثما ومحاسبا على هذا التقصير الواضح في تعلم فروض دينه وما يلزمه في أمواله.
فهذه القاعدة توازن بين رحمة الله بالجاهل المعذور حقا، وبين حزم الشريعة مع المفرط المتساهل الذي يعرض عن تعلم أمور دينه الضرورية لحياته.
إن هذا الحديث يفتح نافذة واسعة من التيسير ورفع الآصار والأغلال التي كانت على الأمم السابقة، ويجسد سماحة الإسلام وواقعيته في التعامل مع البشر.
فالإنسان ليس ملكا معصوما، بل هو عرضة للنسيان والخطأ والضغوط التي تفقده الإرادة، فجاء هذا الدين ليراعي هذه الطبيعة ويرفع المشقة الزائدة عنها.
ويجب على القضاة والمفتين والدعاة أن يضعوا هذا الحديث نصب أعينهم، ليتعاملوا مع الناس بنظرة متوازنة تجمع بين الحزم في حفظ الحقوق والرحمة بالخلق.
فيعذرون من استحق العذر، ويأخذون على يد المتعمد المتساهل، مقتدين بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي كان معلما رحيما ومربيا رفيقا لا يعنف جاهلا متعلما.
فما أحرانا أن نتخلق بأخلاق هذه الشريعة، فنعذر المخطئ، ونسامح الناسي، ونقدر ظروف المكرهين، لنبني مجتمعا يتراحم أفراده ويتعاطفون في محنهم.
نسأل الله أن يفقهنا في ديننا، وأن يعاملنا بعفوه وتجاوزه، وأن لا يؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، وأن يرفع عنا الآصار والإصابات إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وأن يتغمدنا برحمته التي وسعت كل شيء، وأن يجعلنا من المتبعين لرسوله الصادق الأمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.