جارٍ التحميل...

جارٍ التحميل...
يروي هذا الحديث الصحابي الجليل أبو مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري رضي الله تعالى عنه.
وهو يقرر قاعدة أخلاقية عظيمة توارثتها الأمم جيلا بعد جيل من بقايا كلام الأنبياء والمرسلين السابقين.
وقوله إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى يفيد أن بعض آثار الأمم السابقة قد تبقى وتصل لهذه الأمة.
فالأنبياء كلهم دعوا إلى مكارم الأخلاق، ومن أعظم تلك المكارم خلق الحياء الذي اتفقت عليه الشرائع.
والحياء في تعريفه الدقيق هو انفعال يحدث للإنسان عند فعل ما لا يجمله ولا يزينه، فينكسر ويخجل.
وقوله إذا لم تستح فاصنع ما شئت هي الجملة المأثورة التي يحفظها الناس من تلك العهود النبوية الغابرة.
وهذه الجملة العظيمة تحتمل معنيين دقيقين ذكرهما علماء الشريعة في شروحهم وتوجيهاتهم لهذا الحديث.
وكلا المعنيين صحيح وله حظ من النظر والتطبيق في حياة المسلم وسلوكه اليومي مع ربه ومع الناس.
المعنى الأول للحديث هو أنه إذا لم تكن ذا حياء رادع في قلبك، فإنك ستصنع ما تشاء بلا مبالاة ولا اكتراث.
فيكون الأمر هنا بمعنى الخبر، وتكون الجملة في سياق الذم والوعيد لمن نزع الحياء من قلبه ووجهه.
أي أن العبد إذا فقد هذا الخلق الكريم، تجرأ على المعاصي والموبقات، وفعل ما يخل بالمروءة والأدب.
لأنه لم يعد لديه رادع داخلي يمنعه من السقوط في وحل الرذائل وتجاوز حدود الله عز وجل علانية.
وأما المعنى الثاني فهو أن الفعل إذا كان في ذاته مما لا يستحيا منه شرعا ولا عرفا، فاصنعه ولا تبال.
فيكون الأمر هنا للإباحة الحقيقية، أي افعل ما شئت من الأمور المباحة الطيبة التي لا تعاب عليها.
فالأول يعود على الفاعل المتجرد من الحياء، والثاني يعود على الفعل المباح الذي لا يستوجب الخجل.
وكلا المعنيين يصب في تعظيم شأن الحياء واعتباره ميزانا دقيقا تضبط به الأفعال والتصرفات البشرية.
ويشير هذا الحديث إلى مسألة هامة وهي كيفية التعامل مع ما يروى وينقل عن الأمم والأنبياء السابقين.
فما أثر عن النبوة الأولى ينقسم في ميزان الشريعة الإسلامية الخاتمة إلى ثلاثة أقسام رئيسية واضحة.
القسم الأول هو ما شهد شرعنا بصحته وصدقه، كأصل هذا الحديث، فهو صحيح مقبول نعمل به ونعتقده.
والقسم الثاني ما شهد شرعنا ببطلانه وكذبه، فهو باطل مردود لا يجوز تصديقه ولا قبوله بأي حال.
كادعاء اليهود بأن نبيا شرب الخمر أو زنى، فهذا كذب صراح ينافي عصمة الأنبياء وأخلاقهم الرفيعة.
والقسم الثالث ما لم يرد في شرعنا ما يؤيده أو يفنده، فهذا نتوقف فيه فلا نكذبه ولا نصدقه بيقين تام.
ولكن يجوز التحدث به في المواعظ والقصص للعبرة، بشرط ألا يعتقد المخاطب صحته قطعا ما دام غيبا.
فشريعتنا هي الميزان القسط المهيمن على ما سبق من الشرائع والقصص، نرد إليها كل منقول وحكاية.
ومن الأمثلة على القصص الباطلة المردودة ما يرويه أهل الكتاب عن نبي الله داود عليه الصلاة والسلام.
حين تسور عليه الخصمان المحراب لحل قضية النعاج، فهذا الحدث ثابت في القرآن الكريم بتفاصيله الحق.
لكن اليهود زعموا كذبا وزورا أن لداود جنديا له زوجة جميلة، وأراد داود أن يتخلص منه ليتزوجها.
فأرسله لمعركة مهلكة ليقتل ويستحوذ على زوجته، وهذا إفك عظيم ومنكر لا يقع من آحاد الناس الصالحين.
فكيف بنبي كريم خليفة في الأرض يحكم بالعدل، فهذه القصة باطلة تخالف عصمة الأنبياء وطهارتهم.
والذي حصل من داود كما ورد في التفسير الصحيح هو أنه انحبس للعبادة واحتجب عن القضاء بين الناس.
وأنه تسرع في الحكم للخصم الأول قبل أن يسمع حجة الخصم الثاني، فتنبه لخطئه فاستغفر ربه وأناب.
فمثل هذه الافتراءات يجب ردها وتنزيه رسل الله عنها، ولا تقبل إلا الأخبار التي زكاها شرعنا المطهر.
والحياء الممدوح في الشريعة ينقسم إلى نوعين عظيمين، حياء من الخالق جل جلاله، وحياء من المخلوقين.
أما الحياء من الله فهو أعظم المقامات، بأن تستحيي من ربك أن يراك حيث نهاك، أو يفقدك حيث أمرك.
فهذا الحياء يورث التقوى، ويجعل العبد دائم المراقبة لسيده، فلا يتجرأ على معصيته في السر ولا في العلن.
وأما الحياء من المخلوق فهو أن تكف عن كل فعل أو قول يخالف المروءة ويخدش الحياء العام ويستنكر.
فمن المروءة احترام المجالس، فلو مد إنسان رجليه في مجلس علم دون عذر لعد ذلك نقصا في حيائه وأدبه.
أما لو فعل ذلك بين أقرانه وأصدقائه المقربين بتبسط فلا يعد خادشا للحياء، والأولى الاستئذان قبل ذلك.
فالحياء من الناس يمنع المسلم من ارتكاب الدناءات، ويحجزه عن التصرفات التي تجلب له الذم والانتقاص.
وهذا من كمال العقل، فإن من استحيى من الناس استحيى من الله، ومن لا يبالي بالناس لا يبالي بربه عز وجل.
وينقسم الحياء من جهة أصل وجوده في الإنسان إلى نوعين، حياء غريزي طبيعي فُطر عليه العبد منذ ولادته.
ونوع آخر مكتسب يتعلمه الإنسان ويمرن نفسه عليه من خلال مخالطة أهل الفضل والاقتداء بالصالحين.
فأما الحياء الغريزي فهو هبة ربانية، تجد صاحبه منذ صغره حييا لا يتكلم إلا لحاجة ولا يفعل القبيح أبدا.
وهذا النوع هو الأفضل والأكمل، لأن صاحبه مجبول على الخير دون تكلف أو مشقة في مجاهدة النفس.
وأما الحياء المكتسب فهو لمن كان طبعهم الجرأة المفرطة أو قلة المبالاة، فييعاشرون أهل الخير والوقار.
فيكتسبون منهم تلك الصفات الكريمة شيئا فشيئا، حتى يصبح الحياء سمة ملازمة لهم في أقوالهم وأفعالهم.
وكل إنسان مطالب بأن ينمي شجرة الحياء في قلبه، سواء كان أصلها فطريا أم احتاجت لتعهد مستمر منه.
لأن النبي صلى الله عليه وسلم أكد في أحاديثه الثابتة أن الحياء لا يأتي إلا بخير، وأنه شعبة عظيمة من الإيمان.
ومع عظم منزلة الحياء وفضله، إلا أنه قد ينقلب إلى خلق مذموم إذا وضع في غير موضعه الصحيح اللائق به.
وذلك إذا منع الحياء صاحبه من أداء واجب شرعي، أو أوقعه في ارتكاب محرم، فهنا يسمى عجزا وضعفا.
فمن منعه الحياء الموهوم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع قدرته ووجوبه عليه، فهذا حياء مذموم.
ومن استحيى أن يسأل عن أمور دينه ليتفقه فيها وبقي على جهله، فهذا خجل مرذول وليس من الحياء الشرعي.
وقد كانت عائشة تمدح نساء الأنصار بأنه لم يمنعهن الحياء من أن يتفقهن في الدين ويسألن عن أدق مسائله.
وكذلك لو منعه الخجل من استرداد حقه المالي الثابت خوفا من كلام الناس، فهذا يعتبر ضعفا في الشخصية.
فالحياء الممدوح حقا هو الذي لا يوقع صاحبه في ترك الواجبات ولا في مقارفة المحرمات وتجاوز الحدود.
بل هو الذي يقوده لمعالي الأمور ويرفعه لمراتب الإحسان، ويزين شخصيته بالوقار والهيبة والاتزان العاقل.
ويؤخذ من هذا الحديث الشريف رد قوي وواضح على طائفة الجبرية المبتدعة الذين ينكرون إرادة الإنسان.
فقوله فاصنع ما شئت يثبت أن للعبد مشيئة وإرادة حقيقية يفعل بها أو يترك، وأنه ليس مجبرا كالمسير.
فالإنسان مخير في أفعاله التكليفية، ولهذا يحاسبه الله عليها ويثيبه أو يعاقبه بناء على اختياره الحر هذا.
كما يتبين من الحديث أن فقدان الحياء هو علامة فارقة على تدهور الأخلاق وانتكاس الفطرة البشرية السليمة.
ولذلك تجد الناس يذمون من لا يبالي بأفعاله المستهجنة ويقولون فلان لا يستحيي من فعل كذا وكذا.
فالحياء سياج متين يحمي المجتمع من الانحلال، ويحافظ على تماسكه وطهره ونقاء سرائره وعلاقاته.
نسأل الله العظيم أن يرزقنا كمال الحياء منه، وأن يجملنا بالستر والمروءة في أقوالنا وأفعالنا كلها.
وأن يهدينا التمسك بهدي النبيين، وأن يجنبنا مسالك المفسدين الذين نزع الحياء من وجوههم وقلوبهم.