جارٍ التحميل...

جارٍ التحميل...
هذا الحديث يجمع بين روايتين لصحابيين جليلين هما النواس بن سمعان ووابصة بن معبد رضي الله عنهما أجمعين.
وفيه بيان لمعيارين عظيمين من معايير الشريعة الإسلامية لضبط سلوك الفرد وتحديد مقاييس الخير والشر بدقة.
ففي الرواية الأولى قال النبي صلى الله عليه وسلم البر حسن الخلق، والبر كلمة جامعة لكل خصال الخير والطاعة.
وسمي حسن الخلق برا لأنه يبر صاحبه ويصله إلى منازل الأبرار في الجنة، ويشمل حسن الخلق مع الخالق والمخلوق.
فحسن الخلق مع الخالق يعني الرضا بقضائه وقدره، وتلقي أوامره بالتسليم والقبول، واجتناب نواهيه طواعية ومحبة.
وحسن الخلق مع المخلوقين يرتكز على ثلاثة أسس: كف الأذى، وبذل الندى والمساعدة، وطلاقة الوجه والبشاشة لهم.
فمن استكمل هذه الخصال فقد استكمل البر، لأن الدين كله مبني على إصلاح العلاقة برب العالمين وبعباده أجمعين.
ولذلك كانت أثقل الأعمال في الميزان يوم القيامة هي تقوى الله وحسن الخلق كما تواترت بذلك الأحاديث الصحيحة.
ثم انتقل النبي إلى الشق الثاني وهو الإثم فقال والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس من حولك.
والإثم هو الذنب والخطيئة التي تستوجب العقوبة، وقد أعطى النبي هنا ميزانا داخليا وميزانا خارجيا للتعرف عليه.
أما الميزان الداخلي فهو قوله ما حاك في صدرك، أي تحرك وتردد في قلبك، وأورثك قلقا واضطرابا وعدم طمأنينة.
لأن الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها تنفر من المعاصي والقبائح، وتستشعر الخطر عند الاقتراب من الحرام.
فالقلب النقي يرفض الباطل ويهتز له، وهذا هو جهاز الإنذار المبكر الذي يحمي المؤمن من التمادي في درب الضلال.
وأما الميزان الخارجي فهو قوله وكرهت أن يطلع عليه الناس، والمراد بالناس هنا هم أهل الصلاح والدين والمروءة.
لأن العاصي بطبعه يخجل من أن يراه الصالحون على معصية أو زلة، فيستتر بذنبه ويختفي عن أعينهم حياء وخوفا.
فإذا اجتمع في الفعل هذان الأمران: قلق باطني، وخوف من افتضاح الأمر ظاهريا، فاعلم يقينا أنه إثم يجب تركه.
وفي الرواية الثانية يروي وابصة بن معبد أنه جاء للنبي صلى الله عليه وسلم، فبادره النبي قبل أن يتكلم ويسأل.
فقال له جئت تسأل عن البر؟ فقال وابصة نعم، وهذا من دلائل النبوة ومعجزات النبي التي أطلعه الله عليها يقينا.
فأراد النبي أن يعطيه قاعدة يستفتي بها نفسه في غياب المفتين والعلماء، فقال له استفت قلبك واستفت نفسك مرارا.
البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، أي ما سكنت إليه الفطرة وارتاحت له السريرة دون أدنى شك أو ريبة.
فطريق الحق واضح مريح، يورث صاحبه سكينة وهدوءا، بينما طريق الباطل شائك معوج يملأ القلب بالهواجس والشكوك.
والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك، أي حتى لو وجد لك المفتون رخصا ومبررات.
فبعض الناس قد يعرض مسألته على المفتي بطريقة مزوقة ليأخذ فتوى بالحل، والمفتي يحكم بالظاهر ولا يعلم الغيب.
ولكن المفتي لا يحل الحرام، فإذا كان قلبك غير مطمئن لهذه الفتوى، وتشعر في قرارة نفسك بالخطأ، فاترك هذا الفعل.
وهذا التوجيه النبوي العظيم لا ينطبق على كل الناس، بل يختص بالمؤمنين الصادقين الذين صفت قلوبهم واستنارت.
لأن قلب المؤمن ينبض بنور الإيمان، ويميز بين الخبيث والطيب بحاسة الفطرة السليمة التي لم تتلوث بالشهوات.
أما الكافر والمنافق وصاحب القلب الميت بالمعاصي، فلا عبرة باطمئنانه، لأنه قد يطمئن للظلم والسرقة والمنكرات.
فالفاجر لا يبالي بالذنب، بل يراه كذباب وقع على أنفه فأطاره، بينما يرى المؤمن ذنبه كجبل يخاف أن يقع عليه فورا.
لذلك فإن قاعدة استفت قلبك مقيدة بسلامة القلب وصلاح العبد، وحرصه على تحري الحلال البين والابتعاد عن الشبهات.
وكذلك يجب أن يفهم هذا الحديث في إطار المسائل المشتبهة التي تتجاذبها الأدلة ولم يتبين فيها حكم قاطع صريح.
أما الأحكام القطعية الثابتة بالنصوص الواضحة كوجوب الصلاة وتحريم الزنا، فلا مجال لاستفتاء القلب فيها مطلقا أبدا.
بل يجب التسليم والانقياد لأمر الله فيها، سواء ارتاح القلب لذلك أو نازعته شهوته، فالشرع حاكم على القلوب دائما.
ومن الفوائد التربوية في هذا الحديث احترام الإسلام للضمير الإنساني والوجدان، واعتباره دليلا مساندا لمعرفة الحق.
فالإسلام لا يعامل الناس كآلات صماء تنفذ الأوامر بلا شعور، بل يبني في داخلهم رقابة ذاتية ومحاسبة مستمرة حية.
وهذه الرقابة هي التي تمنع المسلم من ارتكاب الجرائم في الخلوات حيث لا يراه أحد من البشر ولا تطاله يد القانون.
فشعوره بأن الله يراقبه، وأن قلبه لن يهدأ إذا عصى ربه، يجعله مستقيما في سلوكه، خائفا من الإثم والزلل الدائم.
كما يعلمنا الحديث الحذر من تتبع الرخص الفقهية الواهية والفتاوى الشاذة التي تبيح ما تستنكره الفطر المستقيمة.
فالعبد مسؤول عن دينه، ولا يعذره أمام الله أن يقول أفتاني فلان، إذا كان يعلم في قرارة نفسه أن الفتوى بنيت على باطل.
فالورع هو ترك ما يريبك إلى ما لا يريبك، والاحتياط للدين أسلم لعاقبة العبد في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون قطعا.
وهذا يوجب على المفتين أن يتقوا الله في فتاويهم، وألا يتساهلوا في إرضاء الجماهير على حساب ثوابت الشريعة المطهرة.
وقد يواجه المسلم في حياته اليومية مواقف كثيرة تتشابك فيها المصالح وتتداخل فيها النوايا وتخفى فيها الأدلة.
كعقد صفقة تجارية معقدة، أو قبول وظيفة ذات مهام مختلطة بين المباح والمحظور، أو المشاركة في مناسبات اجتماعية.
ففي هذه الحالات، إذا استشار العلماء واختلفت آراؤهم، أو لم يجد من يثق بعلمه، فليعرض الأمر على ميزان قلبه النقي.
فإن وجد في قلبه انشراحا وانفساحا للمسألة، فليقدم عليها مستعينا بالله، وإن وجد انقباضا وضيقا فليبتعد عنها فورا.
فالسلامة لا يعدلها شيء، ومن ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه، وأورثه طمأنينة لا تقدر بثمن ولا تباع بالذهب.
وهذه هي ثمرة الإيمان الحقيقية، أن يصبح العبد طبيب نفسه، يقيس نبض قلبه الإيماني عند كل خطوة يخطوها في الحياة.
وهذا يتطلب صيانة مستمرة للقلب من أدران الحقد والحسد والكبر، ليبقى شفافا حساسا قادرا على التقاط إشارات النور.
فالقلوب كالمرايا، إن صفت عكست الحقائق كما هي، وإن صَدِئَت بالمعاصي حالت بين العبد وبين رؤية الهدى واليقين.
وختاما فإن حديث البر والإثم يعد من جوامع الكلم التي تبرز عظمة التشريع الإسلامي في بناء القيم والأخلاق الرفيعة.
فهو يختصر مجلدات في علم الأخلاق والتزكية في كلمات معدودة يسهل حفظها واستحضارها في كل زمان ومكان.
ويضع بين يدي المسلم بوصلة لا تخطئ إذا ما حافظ عليها من الانحراف، تقوده إلى بر الأمان وسط أمواج الفتن المتلاطمة.
فحري بنا أن نحفظ هذا الحديث، وأن نربّي عليه أبناءنا، ليعلموا أن الدين ليس مجرد مظاهر، بل هو يقين مستقر في الصدور.
وأن رضا الناس غاية لا تدرك، بينما طمأنينة القلب برضا الله هي الغاية التي يجب أن تتنافس فيها النفوس المؤمنة الطاهرة.
نسأل الله أن يرزقنا حسن الخلق، وأن يطهر قلوبنا من الإثم، وأن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه.
وأن يجعلنا ممن يستفتون قلوبهم فيهديهم لمرضاته، وممن يتجنبون الشبهات استبراء لدينهم وأعراضهم في الدنيا والآخرة.