جارٍ التحميل...

جارٍ التحميل...
راوي هذا الحديث هو سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي بن أبي طالب.
والسبط في لغة العرب يطلق على ابن البنت، وهو من خيرة شباب أهل الجنة وأفاضل الصحابة.
وقد شرفه النبي بوصفه ريحانته من الدنيا، دلالة على شدة محبته له ولأخيه الحسين رضي الله عنهما.
وكان النبي قد تنبأ له بسيادة عظيمة تتمثل في إصلاحه بين فئتين عظيمتين من المسلمين المتقاتلين.
وقد تحقق ذلك عندما تنازل الحسن عن الخلافة لمعاوية حقنا لدماء الأمة وجمعا لكلمتها.
ويعتبر هذا الحديث القصير في ألفاظه من جوامع الكلم التي أوتيها نبينا الكريم صلوات الله عليه.
وهو يضع قاعدة ذهبية للراحة النفسية والطمأنينة القلبية التي يبحث عنها كل إنسان عاقل.
وتتلخص هذه القاعدة في ترك كل ما يسبب الشك والقلق واللجوء إلى ما يورث اليقين والهدوء.
والريب المذكور في الحديث يشمل كل شك أو تردد يقع في قلب المسلم تجاه أي أمر من الأمور.
فالإسلام دين الوضوح واليقين، ولا يريد لأتباعه أن يعيشوا في دوامة من الشكوك والوساوس المقلقة.
ويطبق هذا المبدأ العظيم في أبواب العبادات والمعاملات والعلاقات الاجتماعية على حد سواء.
ففي باب العبادات مثلا، إذا تيقن المسلم من طهارته ثم شك هل أحدث أم لا، فليبق على طهارته.
لأن الطهارة هنا هي اليقين الذي لا يزول بمجرد الشك الطارئ، وبذلك يطرح الريب ويستريح.
أما إذا تيقن الحدث وشك في الطهارة، فعليه أن يتوضأ ليخرج من دائرة الشك إلى بر الأمان واليقين.
وبهذا التطبيق العملي يحمي المسلم نفسه من الوقوع في شرك الوسوسة التي تفسد عليه عبادته.
فترك المشكوك فيه إلى المتيقن هو طريق النجاة والسلامة في الدين والدنيا بلا أدنى شك.
ويمتد تطبيق هذا الحديث ليشمل باب المعاملات المالية والعقود التجارية بين الناس.
فإذا اشتبهت على التاجر معاملة مالية فلم يدر أهي من باب البيع الحلال أم من أبواب الربا المحرم.
فالواجب عليه أن يترك هذه المعاملة المشبوهة تماما ويبحث عن طرق كسب واضحة لا غبار عليها.
وبذلك يبرئ ذمته أمام الله ويحفظ ماله من الاختلاط بالحرام الذي يمحق البركة ويجلب غضب الرب.
وكذلك في باب النكاح، إذا شك الرجل في صحة عقد زواجه لوجود خلل محتمل في بعض الشروط.
فإن الأصل هو صحة العقد، ولا يلتفت للشكوك الوهمية التي تحاول هدم استقرار الأسرة وتدميرها.
ولكن إذا كان الشك مبنيا على قرائن قوية وأدلة معتبرة، فالأسلم أن يجدد العقد خروجا من الخلاف.
فالقاعدة دائما هي الانحياز إلى الجانب الذي يضمن سلامة الدين ويحقق براءة الذمة بيقين.
وهناك تفصيل دقيق ذكره العلماء للتمييز بين الشك المعتبر والوسواس المرضي المذموم.
فالشك المعتبر هو الذي ينشأ عن سبب معقول ولا يتكرر مع الإنسان في كل أفعاله وعباداته.
أما إذا أصبح الشك ملازما للإنسان في كل وضوء وكل صلاة وكل تصرف، فهذا تحول إلى وسواس.
وفي هذه الحالة، يكون تطبيق الحديث بالابتعاد التام عن هذا الوسواس وعدم الالتفات إليه مطلقا.
لأن الاستجابة للوسواس هي استجابة لخطوات الشيطان الذي يريد إرهاق المؤمن وتيئيسه من رحمة الله.
فمن ابتلي بكثرة الشكوك فعليه أن يمضي في عبادته ولا يعيد شيئا منها مهما ألح عليه الشيطان.
وهذا التجاهل التام للوسواس هو التطبيق الحقيقي لقوله دع ما يريبك إلى ما لا يريبك في حقه.
لأن اليقين هنا هو صحة العبادة، والريب هو تلك الهواجس الشيطانية التي يجب محاربتها ودحرها.
وقد أشار بعض أهل العلم إلى مسألة هامة تتعلق بالشكوك التي تطرأ بعد الانتهاء من العبادة.
فإذا فرغ المصلي من صلاته أو الحاج من طوافه، ثم طرأ عليه شك في عدد الركعات أو الأشواط.
فالقاعدة الفقهية تقرر أن الشك بعد الفراغ من العبادة لا أثر له ولا يلتفت إليه بأي حال من الأحوال.
لأن الأصل في العبادة التي أديت أن تقع صحيحة تامة، والالتفات للشكوك اللاحقة يفتح باب العناء.
إلا في حالة واحدة، وهي أن يتيقن المسلم يقينا قاطعا أنه نقص من عبادته ركنا أو شرطا أساسيا.
فحينها يجب عليه تدارك النقص وجبره إن كان الوقت قريبا، أو إعادة العبادة إن طال الفصل.
وهذا التفصيل يمنع تسلط الشيطان على المسلمين بعد أدائهم لطاعاتهم وينهي حالة التردد والقلق.
وهو امتداد لمنهج التيسير ورفع الحرج الذي تتميز به الشريعة الإسلامية السمحة في كل أحكامها.
وفيما يتعلق بدرجة هذا الحديث، فقد وصفه الإمام الترمذي بأنه حديث حسن صحيح في سننه.
وقد يستشكل البعض الجمع بين هذين الوصفين المتعارضين ظاهريا في علم مصطلح الحديث.
فالحديث إما أن يكون صحيحا لتوفر أعلى درجات الضبط، أو حسنا لخفة ضبط بعض رواته.
وأجاب شراح الحديث عن هذا الإشكال بأن الجمع بين الوصفين قد يكون لتعدد طرق الحديث.
فيكون صحيحا باعتبار إسناد معين، وحسنا باعتبار إسناد آخر، فجمع الإمام بينهما لبيان ذلك.
أو أن الإمام تردد في الحكم على راوي الحديث، هل بلغ درجة الحفظ التام أم قصر عنها قليلا.
وعلى كل الأحوال، فالحديث ثابت ومقبول وتلقته الأمة بالقبول واعتبرته أصلا من أصول الورع.
ويكفي أن معناه يتوافق مع مقاصد الشريعة الكلية في جلب المصالح ودفع المفاسد والمشقات.
ويحمل هذا الحديث في طياته دعوة صريحة لبناء شخصية إسلامية قوية واثقة ومستقرة نفسيا.
فالتردد الدائم والشك المستمر يضعف العزيمة ويشتت الانتباه ويمنع الإنسان من الإنجاز والتقدم.
بينما اليقين يمنح القلب قوة، وللروح سكينة، وللعقل صفاء، مما يساعد على اتخاذ القرارات الصائبة.
لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه كيف يحسمون أمورهم ولا يتركون مجالا للحيرة.
فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، والقوة هنا تشمل القوة النفسية والقلبية.
ولا شك أن العيش في بيئة نظيفة من الشبهات والشكوك يساهم في صفاء السريرة ونقاء الضمير.
ومن ترك شيئا يريبه لله، عوضه الله يقينا راسخا ونورا في قلبه يفرق به بين الحق والباطل.
وبهذا المنهج النبوي الراقي ترتقي الأمم وتتخلص من أزماتها النفسية والاجتماعية المتراكمة.
وختاما فإن هذا الحديث المكتنز بالمعاني الجليلة يصلح لأن يكون شعارا لكل مسلم في مسيرته.
ففي زمن كثرت فيه الشبهات الفكرية والمالية والأخلاقية، تشتد الحاجة للتمسك بهذا المبدأ الأصيل.
فأي فكرة تخالف العقيدة وتورث القلق يجب نبذها والتمسك بمحكمات الكتاب والسنة اليقينية.
وأي مكسب مالي تحوم حوله شبهات الحرام يجب تركه والرضا بالرزق الحلال الواضح والمضمون.
وبهذا السلوك الراقي يحفظ المسلم دينه وعرضه، ويسلم من طعن الطاعنين ولمز المنافقين.
نسأل الله أن يرزقنا قلوبا مطمئنة بالإيمان، ونفوسا راضية باليقين، وأن يجنبنا مضلات الفتن.
وأن يعيننا على ترك ما يريبنا إلى ما لا يريبنا، لنلقاه وهو راض عنا غير غضبان يا رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد الذي أوتي جوامع الكلم وعلى آله وصحبه أجمعين.