جارٍ التحميل...

جارٍ التحميل...
هذا الحديث القدسي العظيم يرويه أنس بن مالك رضي الله عنه، وهو يمثل أوسع أبواب الرجاء والمغفرة في الإسلام.
ويبدأ بنداء رباني ملؤه الرحمة والشفقة، يا ابن آدم، وهو نداء يشرف البشرية جمعاء ويذكرهم بأصلهم الواحد.
وقوله إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك، حرف ما هنا شرطية بمعنى مهما، أي مهما دعوتني ورجوتني كانت المغفرة.
والدعاء هنا ينقسم إلى قسمين عظيمين، دعاء مسألة بأن يطلب العبد حوائجه ومغفرة ذنوبه بلسان المقال صراحة.
ودعاء عبادة، وهو أن يتقرب العبد إلى ربه بالصلاة والصيام، فهو بلسان حاله يدعو الله ويرجو ثوابه ونواله.
وقد اشترط الله للمغفرة مع الدعاء الرجاء، فلا بد من حضور القلب، والتذلل، واليقين بأن الله مجيب سميع قريب.
أما الدعاء بقلب غافل لاه، أو دعاء اليائس الذي لا يرجو الإجابة، فهو بعيد عن القبول وتحقيق المطلوب المرتجى.
وقوله غفرت لك أي سترت ذنبك وتجاوزت عنه، فلا أفضحك به في الدنيا، ولا أعاقبك عليه في الآخرة الباقية.
ثم يعلن الرب كمال غناه وسلطانه بقوله ولا أبالي، أي لا أهتم لعظم ذنبك وكثرته، ولا يعترض علي أحد في مغفرتي.
فهذه صفة منفية عن الله، والصفات المنفية في حق الله يراد بها إثبات كمال الضد، كمال السلطان والفضل المطلق.
ثم يرتقي في بيان سعة رحمته فيقول يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء، وعنان السماء أعلاها أو سحابها.
وهذا تصوير لذنوب هائلة تراكمت حتى سدت الأفق، ومع ذلك يقول ثم استغفرتني غفرت لك جميع تلك السيئات.
والاستغفار ليس مجرد تحريك اللسان بكلمات، بل هو طلب المغفرة المقرون بالتوبة النصوح وشروطها الشرعية الصارمة.
وأول شروط التوبة الإخلاص لله، فلا تصح توبة رياء أو خوفا من فضحية بين الناس، بل يجب أن تكون تعظيما لله.
وثانيها الندم والحسرة على ما سلف من التقصير، وثالثها الإقلاع الفوري عن المعصية، سواء كانت ترك واجب أو فعل محرم.
فإن كان الذنب يتعلق بحقوق الآدميين كسرقة مال، وجب رده لصاحبه، أو التصدق به عنه إن عجز عن معرفة مكانه.
وإن كان الذنب غيبة لأخيه، فليستغفر له إن لم يعلم، وإن علم تحلل منه، ورابع الشروط العزم الجازم على عدم العودة.
وخامسها أن تقع التوبة في وقت القبول، قبل غرغرة الموت، وقبل طلوع الشمس من مغربها الذي تنقطع عنده التوبة تماما.
ثم تتجلى أروع صور التوحيد في قوله يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، أي بما يقارب ملأها أو ثقلها.
ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا، لأتيتك بقرابها مغفرة، وهذا من أعظم بشارات الموحدين الذين سلمت عقائدهم من الشرك.
والشرك المنفي هنا يشمل الأكبر والأصغر، فمن سلم منهما لقي الله بقلب سليم، واستحق هذه المغفرة الواسعة البديعة.
ويجب الحذر من الشرك الخفي، كحب المال الذي يلهي عن طاعة الله، فقد سماه النبي عبودية للدينار والدرهم المذموم.
وهذا العطاء الإلهي فضل محض، وإلا فمقتضى العدل أن يعاقب المذنب، لكن الله يعامل الموحدين بالفضل لا بالعدل الجاف.
ولكن هذا الوعد بالمغفرة خاضع لمشيئة الله، فقد يغفر للمذنب الموحد فورا، وقد يعاقبه ببعض ذنبه ثم يخرجه للجنة.
وهذا الحديث يؤكد حتمية لقاء الله، فكل إنسان كادح إلى ربه كدحا فملاقيه، فيجب الاستعداد لهذا اللقاء الحتمي.
وأن يفتش العبد في قلبه وعمله، هل هو مستعد للقاء ربه على هذه الحال، أم يحتاج لثورة تصحيحية قبل فوات الأوان.
ومن براعة الإمام النووي رحمه الله أنه ختم كتابه الأربعين بهذا الحديث الذي يفيض بالرجاء ويفتح أبواب المغفرة.
وهذا ما يسمى في علم البلاغة براعة الاختتام، ليترك في نفس القارئ أثرا إيجابيا وطمعا في عفو الله ورحمته الواسعة.
كما أن براعة الافتتاح تعني بدء المصنف بكلمات توحي بمضمون الكتاب، لتهيئة ذهن المتلقي واستيعابه لمقاصد المؤلف.
وبهذا نكون قد مررنا بحدائق هذه الأحاديث المباركة، التي جمعت أصول الدين وفروعه، وبنت شخصية المسلم السوي.
نسأل الله العظيم أن ينفعنا بما قرأنا وفهمنا، وأن يجعل هذه المعاني حية في قلوبنا، تطهر أرواحنا وتزكي أعمالنا.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد الذي أوتي جوامع الكلم، وعلى آله وصحبه، والحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا.