جارٍ التحميل...

جارٍ التحميل...
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم بين أسس الأخوة الإسلامية وما يحرم بين المسلمين من أفعال.
فقال لا تحاسدوا، والحسد داء عضال يفتك بالقلوب، وهو كراهة ما أنعم الله به على الغير، حتى وإن لم يتمن زوال تلك النعمة.
فمجرد كراهتك لنجاح أخيك أو غناه هو حسد مذموم، وهو اعتراض خفي على حكمة الله في تقسيم الأرزاق بين خلقه وعباده.
وقد يصاحب الحسد تمني زوال النعمة، وهذا أشد جرما، وقد يتطور لسعي الحاسد في إيذاء المحسود وإسقاطه من مكانته.
ولا يؤاخذ الإنسان على خواطر الحسد العابرة التي يدافعها ويجاهد نفسه لرفضها، بل يؤاخذ إذا استرسل معها وتمنى الشر.
والحسد من صفات اليهود، ويأكل الحسنات، ويورث صاحبه الغم والنكد المستمر، لأن نعم الله على الناس لا تنقضي أبدا.
ومدافعة الحسد تكون بتمني الخير للناس، والدعاء لهم بالبركة، وتذكر أن فضل الله واسع، وأن الرازق هو أكرم الأكرمين.
وأما الغبطة، وهي تمني مثل النعمة دون إرادة زوالها عن صاحبها، فهي محمودة وتسمى تنافسا في الخيرات ومسارعة للمكرمات.
ثم قال ولا تناجشوا، والنجش في البيوع أن يزيد الشخص في ثمن السلعة المعروضة وهو لا ينوي شراءها البتة إطلاقا بل لخداع المشتري.
وقد يفعل ذلك بقصد الإضرار بالمشتري ليدفع ثمنا أغلى، أو بقصد نفع البائع بزيادة ربحه، وكلاهما محرم وتلاعب صريح بالأسواق.
أما من زاد في السلعة راغبا في شرائها والتكسب منها، ثم توقف لارتفاع سعرها، فهذا ليس بنجش بل هو بيع ومزايدة مباحة طبيعية.
ثم قال ولا تباغضوا، أي لا تتعاطوا أسباب البغضاء والكراهية، وإذا وقعت في قلوبكم فاحرصوا على إزالتها وتطهير الصدور منها فورا.
لأن البغضاء تحلق الدين وتدمر العلاقات، وعلاجها بذكر محاسن الأخ المسلم وتغافل سيئاته، والتهادي وبسط الوجه له في كل حين.
ثم قال ولا تدابروا، والتدابر يشمل التدابر بالأجسام كتولية الظهير احتقارا، ويشمل التدابر بالقلوب والآراء والافتراق والمقاطعة الطويلة.
فالإسلام يدعو للاجتماع وتوحيد الكلمة وتقريب وجهات النظر، وينبذ كل ما يمزق شمل الأمة ويشتت جهودها وقوتها وتماسكها ووحدتها.
وكل هذه النواهي تصب في بوتقة واحدة، وهي حماية النسيج الاجتماعي من الأمراض النفسية التي تخرب العلاقات وتقطع الأرحام.
ثم قال ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وصورته أن يشتري رجل سلعة بعشرة، فيأتيه آخر فيقول أبيعك مثلها بتسعة ليفسخ البيع الأول.
أو يقول للبائع المشتري أشتريها منك بأكثر، ليفسخ بيعه الأول، فهذا محرم سواء حدث في فترة الخيار المسموح بها أو بعد انتهائها تماما.
لأنه يورث الندم والحقد، ويدفع المشتري للتحايل لاختلاق عيوب لفسخ العقد، ويشعل نيران العداوة والبغضاء في التعاملات التجارية بين الناس.
ثم أعلن النبي القاعدة الكلية فقال وكونوا عباد الله إخوانا، أي تعاملوا كالإخوة الأشقاء الذين يحب بعضهم لبعض ما يحب لنفسه دائما.
فالمسلم أخو المسلم، تربطهما رابطة العقيدة التي هي أقوى من روابط الدم والنسب، وتفرض عليه التزامات وحقوقا عملية يومية مستمرة.
ومن أهم هذه الحقوق قوله لا يظلمه، فلا يتعدى على حقه في مال أو عرض أو جسد، ولا يبخسه قدره، لأن الظلم ظلمات يوم القيامة الشديد.
ولا يخذله، أي لا يترك نصرته وهو قادر عليها، سواء كان مظلوما بدفع الظلم عنه، أو ظالما بمنعه من التمادي في ظلمه وعدوانه على الخلق.
فالخذلان وقت الشدة من أقسى ما يواجهه الإنسان، والمسلم مطالب بالوقوف مع أخيه ومساندته في المحن والشدائد بصدق ووفاء لا يتزعزع.
ثم قال ولا يكذبه، أي لا يخبره بخلاف الواقع، سواء كان الكذب قوليا بتزييف الحقائق، أو فعليا كالتدليس في بيع السلع وإخفاء عيوبها.
والكذب خيانة للأمانة، ويستثنى من ذلك التورية إذا دعت إليها حاجة ماسة أو مصلحة راجحة، كإنقاذ بريء من ظالم يبحث عنه لقتله ظلما.
ففي هذه الحالة تجب التورية، وهي أن يقول كلاما ظاهره خلاف باطنه ليصرف الظالم، أما التورية بلا حاجة فهي مذمومة وتورث سوء الظن.
ثم قال ولا يحقره، أي لا يستصغره ويستخف به لفقره أو جهله أو ضعف مكانته الاجتماعية، فرب أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره حقا.
فالاحتقار نابع من الكبر، وهو داء إبليس، ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، وميزان التفاضل عند الله هو التقوى وحدها.
لذلك أشار النبي إلى صدره ثلاث مرات وقال التقوى هاهنا، ليؤكد أن مدار الصلاح هو ما استقر في القلب من خوف الله ومراقبته الدائمة.
فالأعمال الظاهرة لا تكفي إذا كان القلب خربا، والمتفاخر بنسبه أو ماله ساقط في ميزان الشرع إذا كان قلبه خاليا من التقوى والإخلاص.
فالقلب هو الملك، والجوارح جنوده، فإذا صلح القلب بالتقوى صلحت الجوارح واستقامت، وإذا فسد فسدت الجوارح ومالت للعدوان والظلم.
وقد يتذرع بعض العصاة بكلمة التقوى هاهنا، ليبرروا ارتكابهم للمعاصي وتركهم للواجبات، زاعمين أن قلوبهم بيضاء نقية ومؤمنة بالله حقا.
وهذا جدل باطل وتلبيس شيطاني، فلو اتقى القلب لاستقامت الجوارح بالضرورة، لأن فساد الظاهر دليل قاطع على فساد الباطن وخرابه وتلوثه.
فكيف يكون القلب مليئا بتقوى الله، واللسان يكذب، والعين تخون، واليد تبطش؟ هذا تناقض ترفضه العقول وترفضه نصوص الشريعة المحكمة.
ثم بالغ النبي في التحذير من الاحتقار فقال بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، أي يكفيه من الإثم والشر هذا الفعل القبيح الشنيع.
فالاحتقار ذنب عظيم يكفي لإهلاك صاحبه، لأنه يتضمن اتهاما لله في خلقه، واستعلاء على عباد الله الذين قد يكونون أقرب إليه وأحب وأنقى.
فالمسلم العاقل ينظر إلى جميع إخوانه بعين الاحترام والتقدير، ويلتمس لهم الأعذار، ويدرك أن العاقبة مجهولة والخواتيم بيد الله وحده دائما.
فكم من غني افتقر، وكم من فقير اغتنى، وكم من جاهل تعلم ففاق العلماء، فالدنيا دول، ولا يثبت على حال إلا الواحد القهار سبحانه وتعالى.
وهذه النظرة المتواضعة تحمي الفرد من أمراض الغرور والغطرسة، وتجعل المجتمع مترابطا يحترم فيه الصغير الكبير ويرحم فيه القوي الضعيف.
وختم النبي صلى الله عليه وسلم هذا الإعلان العظيم لحقوق الإنسان المسلم بقوله كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه بلا استثناء.
وهذا التحريم مطلق وشامل، لا يحل انتهاكه تحت أي مبرر، فالدماء معصومة لا تسفك إلا بحق شرعي صريح كقصاص أو رجم لزان محصن ثابت.
والأموال محفوظة لا تؤخذ إلا بطيب نفس من صاحبها في بيع أو هبة أو إجارة، ولا تحل بالسرقة أو الغصب أو الرشوة أو التحايل والمماطلة.
والأعراض مصانة لا تمس بغيبة أو نميمة أو قذف أو سب وشتم، والغيبة أكل للحم الميت، وهي من كبائر الذنوب التي تمحق الحسنات تماما.
وغيبة العلماء والأمراء أشد إثما وخطرا من غيبة العوام، لأنها تسقط هيبتهم وتؤدي للتمرد والفوضى وعدم قبول الحق والشرع منهم والتزام طاعتهم.
فعلى المسلم أن يحفظ لسانه عن أعراض الناس، وأن يطهر مجلسه من المفسدين الذين ينهشون لحوم البشر ويتلذذون بتتبع العورات والزلات.
ومن أكل حقوق الناس في الدنيا جاء يوم القيامة مفلسا، تؤخذ حسناته فتعطى لخصومه، حتى إذا فنيت طرح من سيئاتهم عليه ثم ألقي في النار.
وهذا الإفلاس الحقيقي هو الذي حذر منه النبي، وهو ثمرة طبيعية لانتهاك الحرمات والتعدي على حقوق الإخوة المسلمين في هذه الحياة الدنيا.
إن تأمل هذا الحديث يبرز منهج الإسلام المتكامل في بناء شبكة العلاقات الإنسانية على أسس متينة من العدل والرحمة والسلام والود المستمر.
فالإسلام لا يعتمد فقط على التشريعات الجنائية والحدود الرادعة، بل يسبق ذلك ببناء الضمير الحي والوازع الديني في أعماق كل فرد مسلم.
فإذا امتنع الناس عن الحسد والنجش والتباغض استجابة لله، تقلصت الجرائم وتراجعت النزاعات التي تملأ أروقة المحاكم وتشغل القضاة وتتعبهم.
وهذا يؤكد أن التربية الروحية والأخلاقية هي الركيزة الأولى لبناء حضارة مستقرة ومجتمع متماسك لا تهزه الأزمات ولا تعصف به الفتن الداخلية.
كما أن التحذير من البيع على بيع الأخ يعكس اهتمام الشرع بنقاء المعاملات المالية من الشوائب التي توغر الصدور وتدمر الثقة المتبادلة بينهم.
فالتنافس التجاري الشريف مباح ومطلوب، ولكنه يقف عند حدود الإضرار المتعمد للآخرين، لتبقى الأخوة الإيمانية هي الحاكمة والمسيطرة على النفوس.
ويجب على الدعاة والمربين أن يجعلوا من هذا الحديث محورا أساسيا في برامجهم التربوية، لغرس هذه المعاني في نفوس الأجيال الصاعدة والناشئة.
ليكونوا إخوانا متحابين في جلال الله، متعاونين على البر والتقوى، متناهين عن الإثم والعدوان، محققين لمعنى الجسد الواحد الذي يتداعى لبعضه.
وخلاصة القول إن حديث أبي هريرة رضي الله عنه هو بمثابة ميثاق حقوقي شامل يحمي كيان المسلم ماديا ومعنويا من كل اعتداء ويسعى لحفظه.
وهو دعوة صريحة للارتقاء بالسلوك البشري من مستوى الأنانية والمصلحة الشخصية الضيقة إلى رحاب التكافل والإيثار والمحبة الصادقة الخالصة.
فكل نهي في هذا الحديث يمثل وقاية من مرض اجتماعي خطير، وكل أمر فيه يمثل لبنة في صرح المجتمع الإسلامي النموذجي المنشود والمأمول.
فحري بكل مسلم أن يعرض نفسه على ميزان هذا الحديث، ليختبر مدى التزامه بحقوق إخوانه، ومدى طهارة قلبه من أدران البغض والحسد الدفين.
فإن وجد في نفسه تقصيرا بادر بالتوبة وإصلاح ذات البين، وإن وجد خيرا حمد الله وسأله الثبات على هذا الدرب المنير حتى يلقاه وهو راض عنه.
نسأل الله العلي العظيم أن يؤلف بين قلوب المسلمين، وأن ينزع الغل والحسد من صدورنا، وأن يجعلنا إخوة متحابين متعاونين على الحق والعدل.
وأن يعصم دماءنا وأموالنا وأعراضنا، وأن يطهر ألسنتنا من الغيبة والنميمة، وأن يرزقنا التقوى في السر والعلن، إنه سميع قريب مجيب الدعاء.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد الذي أرسى دعائم الأخوة، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان وإيمان إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين.