جارٍ التحميل...

جارٍ التحميل...
يروي هذا الحديث الصحابي الجليل أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي رضي الله عنه.
وهو حديث عظيم يعتبر من جوامع الكلم التي أوتيها النبي صلوات الله وسلامه عليه.
ويضع هذا الحديث قاعدة ذهبية في بناء شخصية المسلم وتزكية نفسه وإصلاح مجتمعه.
فقوله من حسن إسلام المرء يدل على أن الإسلام يتفاوت في درجاته وحسنه وكماله.
فالناس ليسوا في درجة واحدة من حيث تطبيق شرائع الدين والتحلي بآدابه وأخلاقه.
وهناك أمور إذا التزم بها العبد زاد إسلامه حسنا وبهاء، وارتقى في مراتب الإيمان.
ومن أعظم هذه الأمور ترك الإنسان ما لا يعنيه، أي ما لا يهمه ولا يفيده في دينه ودنياه.
فكل ما لا تتعلق به حاجة الإنسان الحقيقية، فالأولى والأحسن له أن يتركه ويتجاوزه.
وترك ما لا يعني يشمل ترك فضول الكلام، وفضول النظر، وفضول الاستماع، وفضول الخلطة.
فالمسلم العاقل يدرك أن وقته هو رأس ماله، فلا يضيعه في تتبع أخبار الناس وأسرارهم.
ولا يقحم نفسه في شؤون غيره التي لم يطلب منه التدخل فيها، فهذا من كمال العقل والدين.
ومن اشتغل بما لا يعنيه فإن إسلامه ليس بذاك الحسن، وهذا يقع كثيرا لبعض الغافلين.
فتجده يتكلم في أشياء لا تعنيه، أو يأتي لإنسان يسأله عن أمور خاصة لا دخل له فيها.
وكل هذا التدخل المذموم يدل على ضعف في الإيمان ونقص في المروءة وسوء في الأدب.
لأن الاشتغال بتوافه الأمور وتتبع العورات يورث قسوة القلب ويشغله عن طاعة ربه.
ويجلب للإنسان الهم والغم والمشاكل التي هو في غنى عنها لو أنه التزم حدوده وأدبه.
وقد ألف بعض العلماء رسائل متخصصة في بيان محاسن الدين الإسلامي العظيمة الشاملة.
ومن أعظم هذه المحاسن أنه دين ينظم علاقة الإنسان بخالقه وعلاقته بنفسه وبمجتمعه.
فلو أن كل إنسان ترك ما لا يعنيه، لسلم المجتمع من آفات الغيبة والنميمة والقيل والقال.
ولعاش الناس في راحة وطمأنينة، لا يخشون من تدخل المتطفلين في أدق تفاصيل حياتهم.
لذا ينبغي للمسلم أن يتطلب محاسن إسلامه فيترك فضول الأشياء ويستريح ويريح غيره.
لأنه إذا اشتغل بأمور لا تهمه ولا تنفعه في عاجل أمره ولا آجله فقد أتعب نفسه بلا فائدة.
بل قد يعرض نفسه للإهانة والرد القاسي من الآخرين الذين يرفضون تدخله في شؤونهم.
فمن حفظ لسانه وجوارحه عما لا يخصه، حفظ كرامته وحظي باحترام الناس وتقديرهم له.
وهنا قد يرد إشكال مهم جدا يطرحه بعض الناس حول فهم هذا الحديث وتطبيقه العملي.
وهو هل ترك العبد ما لا يعنيه يعني أن يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تماما؟
وهل يجوز لمن يرتكب المعصية أن يقول للناصح هذا أمر لا يعنيك فاحتفظ بنصيحتك لنفسك؟
والجواب القاطع هو لا، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من صميم ما يعني المسلم.
فقد كلفنا الله تعالى بنصح الناس ودعوتهم للخير وتحذيرهم من الشر كل بحسب قدرته.
قال الله تعالى ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
فلو رأيت إنسانا على منكر وقلت له يا أخي هذا منكر لا يجوز، فهذا من أوجب الواجبات.
وليس له الحق أبدا أن يقول هذا لا يعنيك، ولو قاله لم يقبل منه لأنه يخالف نصوص الشريعة.
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعني الأمة الإسلامية كلها، وهو سبب خيريتها ورفعتها.
ومن ذلك أيضا ما يتعلق برعاية الأهل والأبناء والبنات ومسؤولية رب الأسرة تجاههم.
فإنه يعنيه جدا أن يدلهم على الخير ويأمرهم به ويحذرهم من الشر وينهاهم عنه بحزم ورفق.
قال الله عز وجل يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة.
فلا يمكن للأب أن يترك توجيه أبنائه بحجة أن هذا لا يعنيه أو أنه حرية شخصية لهم.
بل هو مسؤول عنهم أمام الله يوم القيامة، وتوجيههم هو من أعظم ما يعنيه في هذه الحياة.
وبهذا التفريق الدقيق نفهم حدود التدخل المشروع والتدخل المذموم في حياة الآخرين.
فالتدخل للإصلاح والنصح الشرعي واجب، والتدخل للفضول وتتبع العورات محرم ومذموم.
وإن من حسن إسلام المرء أيضا أن يشتغل بإصلاح عيوب نفسه قبل أن يلتفت لعيوب غيره.
فالإنسان مليء بالتقصير والخطأ، ولو حاسب نفسه بصدق لما وجد وقتا لتتبع سقطات الناس.
فطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، واهتم بفكاك رقبته من النار بالطاعات والقربات.
وإن ترك ما لا يعني يتطلب مجاهدة مستمرة للنفس الأمارة بالسوء التي تحب الفضول.
فالشيطان يزين للإنسان التدخل في شؤون الآخرين ليوقعه في الإثم ويفسد عليه دينه.
لذا يجب على المؤمن أن يحرس قلبه ولسانه، وأن يزن كلماته وأفعاله بميزان الشرع.
فإذا عرض له أمر تساءل هل هذا يعنيني وينفعني أم لا؟ فإن كان لا يعنيه أعرض عنه وتركه.
وهذا هو مقياس العقل الراجح والفهم الثاقب الذي يميز بين الأمور النافعة والأمور الضارة.
ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام أسوة حسنة في تطبيق هذا الخلق.
فقد كانوا أبعد الناس عن الخوض في توافه الأمور، وأكثرهم اشتغالا بمعالي الأخلاق والصفات.
وكانت مجالسهم عامرة بذكر الله والعلم النافع والتناصح في الدين وتفقد أحوال المحتاجين.
ولم يكونوا يضيعون أوقاتهم في القيل والقال والسؤال عما لا يفيد ولا يثمر عملا صالحا.
وهكذا ينبغي أن يكون حال المسلم في كل زمان ومكان، متأسيا بالسلف الصالح في سموهم.
مبتعدا عن كل ما يهبط بروحه أو يخدش إسلامه أو يقلل من حسناته ورصيده عند ربه.
فالعمر قصير، والأنفاس معدودة، والواجبات أكثر من الأوقات المتاحة لإنجازها وإتمامها.
فلا يضيع العاقل وقته الثمين فيما لا يعنيه، بل يستثمره فيما يقربه إلى جنات النعيم.
وختاما فإن هذا الحديث القصير المبنى العظيم المعنى يمثل دستورا راقيا في فن التعامل.
فهو يحمي الخصوصيات، ويمنع النزاعات، ويوفر الطاقات، ويوجه الجهود نحو البناء والعمل.
وإن تطبيق هذا المبدأ النبوي في زماننا الحاضر الذي كثرت فيه وسائل التدخل في الخصوصيات.
لهو من أعظم القربات التي يحافظ بها المسلم على دينه وعرضه وووقته وصفاء ذهنه.
فوسائل التواصل الحديثة فتحت أبوابا واسعة للتدخل فيما لا يعني، ونشر الشائعات التافهة.
فالمؤمن الحصيف هو الذي يغلق هذه الأبواب على نفسه، ويكتفي بما يعود عليه بالنفع.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا حسن الإسلام، وأن يعيننا على ترك ما لا يعنينا من الأقوال والأفعال.
وأن يوفقنا للاشتغال بما يرضيه عنا، وأن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين في كل مكان.