جارٍ التحميل...

جارٍ التحميل...
عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى ذكره.
وهذا النوع من الأحاديث يسمى بالحديث القدسي، وهو ما رواه النبي مسندا لربه جل جلاله صراحة وبوضوح.
والأصح في تعريفه أنه لفظ ومعنى من الله عز وجل، ولكن لا يتعبد بتلاوته في الصلاة كالقرآن الكريم المقدس.
ويختلف عن القرآن في أن القرآن متواتر محفوظ تحدى الله به الإنس والجن، ولا يقرأ بالمعنى مطلقا أبدا.
بينما الأحاديث القدسية فيها الصحيح والضعيف، ويجوز روايتها بالمعنى، ولا يشترط الطهارة لمسها وقراءتها.
ولعل الأسلم عدم التعمق كثيرا في الفرق بينهما، والاكتفاء بأن الحديث القدسي إخبار من الله لنبيه المختار.
ويبدأ الحديث بنداء الله لخلقه يا عبادي، وهو نداء يشمل كل من خضع لله بالعبودية العامة أو الخاصة له.
ليشعرهم بقرب ربهم، وليرعوا أسماعهم لما سيأتي من توجيهات عظيمة وقواعد أساسية في التعامل والاعتقاد.
يقول الله تعالى إني حرمت الظلم على نفسي، وهذا يدل على كمال قدرته وكمال عدله في ذات الوقت والتنزيه.
فالله قادر على أن يظلم، ولكن لكمال عدله ورحمته منع نفسه من الظلم وتنزّه عنه طوعا واختيارا وتفضلا.
فلا يعاقب مطيعا على طاعته، ولا يحمل أحدا وزر غيره، ولا ينقص محسنا شيئا من ثواب عمله الصالح المبرور.
ثم قال وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا، أي صيرت الظلم بين العباد أمرا محظورا لا يجوز فعله البتة إطلاقا.
فلا يحل لمسلم أن يظلم أخاه في دمه أو ماله أو عرضه، والظلم ظلمات يوم القيامة وعواقبه وخيمة جدا.
ويدور الظلم بين الناس على أمرين، إما منع حق واجب للغير كمماطلة الغني في سداد ديونه المستحقة لأصحابها.
أو تحميل الغير ما لا يجب عليه، كادعاء دين باطل على شخص بشهادة زور أو أيمان فاجرة كاذبة ومضللة.
والتحريم هنا مطلق لا يستثنى منه شيء، فلا يجوز ظلم المعاهدين أو المستأمنين، فحقوقهم محفوظة كالمسلمين.
ثم بين الله مدى افتقار العباد إليه فقال كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم إلى صراط مستقيم قويم.
فالإنسان مجبول على الجهل والنسيان، ولا يهتدي للحق إلا بتوفيق الله وإرشاده له في دروب الحياة الشاقة.
وهداية الله نوعان، هداية إرشاد وبيان عن طريق الرسل والقرآن، وهداية توفيق للعمل بهذا البيان المنزل.
فمن طلب الهداية بصدق من ربه، وفقه لاتباع الحق، وعصمه من الزلل، وجعله من عباده المتقين الصالحين الفائزين.
ثم قال كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، مؤكدا عجز الإنسان عن تحصيل رزقه بقوته المستقلة.
فالله هو الذي ينزل المطر، وينبت الزرع، ويدر الضرع، وبدونه يهلك البشر جوعا وعطشا وضعفا وانكسارا.
حتى لو ملك الإنسان المال، فقد يبتلى بمرض يمنعه من الأكل، فالشبع نعمة لا تتم إلا بمشيئة الله وحفظه.
لذا يجب على العبد أن يسأل ربه الرزق الحلال، وأن يسعى في الأرض متوكلا على مسبب الأسباب وحده لا شريك له.
وقال كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، فالإنسان يولد عاريا ضعيفا لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا.
والالله هو الذي سخر له ما يصنع منه الثياب ليواري سوأته ويتقي بها حر الصيف وبرد الشتاء القارس الشديد.
والكسوة قد تكون كسوة حسية للجسد بالثياب، وقد تكون كسوة معنوية للروح بلباس التقوى وهو خير وأبقى للإنسان.
ثم طمأن الله عباده المذنبين فقال إنكم تخطئون بالليل والنهار، أي تقعون في مجانبة الصواب بكثرة وتكرار.
سواء بترك الواجبات أو ارتكاب المحرمات، فالخطأ ملازم لطبيعة البشر، ولا يسلم منه أحد إلا من عصم الله.
ولكن رحمة الله واسعة، فقال وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم، ففتح أبواب التوبة على مصراعيها.
والاستغفار يكون بطلب المغفرة باللسان مع الندم بالقلب، أو بفعل الحسنات الماحية للسيئات والخطايا الكثيرة.
فمن أصدق في استغفاره، غفر الله له صغائر ذنوبه وكبائرها، بل وحتى الشرك إذا تاب منه قبل مماته توبة نصوحا.
ثم أظهر الله كمال غناه وعظمته فقال إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني أبدا ومطلقا.
فالله هو الغني الحميد، لا يتضرر بمعصية العاصين، ولا ينتفع بطاعة المطيعين، فملكه تام لا يحتاج لغيره أبدا.
فمن كفر فإنما يضر نفسه، ومن شكر فإنما يشكر لنفسه، والله لا تنفعه الصلوات ولا تضره السيئات المرتكبة.
وأكد هذا المعنى بقوله لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم في الصلاح.
ما زاد ذلك في ملكي شيئا، فلو صار كل الخلق في تقوى الأنبياء، لم يضف ذلك لسلطان الله أي زيادة تذكر.
ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا مقدرا.
فلو تمرد كل الخلق وصاروا في فجور الشياطين، لم يقلل ذلك من عظمة الله أو ينقص من كبريائه مثقال ذرة.
فهذه النصوص تقطع دابر الغرور في قلب العبد، ليعلم أن طاعته منة من الله عليه لا فضل له فيها على ربه العظيم.
ثم ضرب الله مثلا محسوسا لبيان سعة خزائنه فقال لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد.
أي اجتمعوا في واد فسيح في لحظة واحدة، فسألوني كل ما يخطر ببالهم من أصناف النعم والحاجات الكثيرة.
فأعطيت كل واحد مسألته وطلبه، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر الواسع العميق.
ومن المعلوم أن الإبرة إذا غمست في البحر ثم أخرجت، فإنها لا تنقص من مائه شيئا ولا تؤثر في حجمه إطلاقا.
فهكذا خزائن الله لا تنفد بالعطاء، ولا يغيضها النفقة في الليل والنهار، ويداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء بحكمته.
وهذا يبعث في قلب المؤمن اليقين وقوة الرجاء، فلا يستكثر شيئا يطلبه من ربه، مهما عظم وتعاظم في عينه البصيرة.
لأن المعطي هو أكرم الأكرمين الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وإذا أراد شيئا قال له كن فيكون.
فليكثر العبد من الدعاء والإلحاح، وليوقن بأن تأخر الإجابة إنما هو لحكمة بالغة لا لنقص في خزائن المليك القدير.
وختم الله هذا الحديث المهيب بقاعدة الجزاء والمحاسبة فقال يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم إحصاء.
أي أضبطها وأحفظها بدقة متناهية، لا يغادر كتابي صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وسجلها على فاعلها المختار.
فالملائكة يكتبون، والله محيط بكل شيء علماً، لا تخفى عليه خافية من نوايا القلوب أو حركات الجوارح الخفية.
ثم أوفيكم إياها، أي أجازيكم عليها يوم القيامة جزاء أوفى، من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل شرا يره تماما.
وقد يعجل الله بعض الجزاء في الدنيا، كعقوبة الظالم أو مكافأة المحسن، لكن التوفية التامة تكون في الآخرة الباقية.
فمن وجد خيرا وثوابا فليحمد الله، لأن الله هو الذي هداه للعمل الصالح، ووفقه لفعله، ثم تكرم عليه بقبوله الحسن.
فالحمد كله لله بدءا وختاما، ولا يغتر العبد بعمله أو يظن أنه نال النجاة بجهده الذاتي المحض المستقل عن الله.
بل يتواضع لمعبوده، ويعترف بالفضل لصاحب الفضل الذي لولاه ما اهتدى ولا صلى ولا صام ولا تصدق لوجه الله.
ومن وجد غير ذلك من الشر والعقاب، فلا يلومن إلا نفسه الأمارة بالسوء التي اتبع هواها وأطاع شيطانها المضل.
فالله أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وأقام الحجج، ووهب العقول، ولم يظلم أحدا أو يجبره على فعل المعاصي والذنوب.
فالمعاصي هي نتيجة لاختيار الإنسان الحر، وإعراضه عن نور الوحي، واستسلامه لشهوات الدنيا الزائلة الفانية.
فإذا وقف يوم الحساب ورأى سوء عاقبته، أدرك يقينا أنه هو المذنب المفرط، ولا ينفعه حينئذ الندم واللوم المتأخر.
وهذا الحديث يعد دستورا متكاملا في تزكية النفس وإصلاح علاقة العبد بربه وعلاقته مع الناس أجمعين بالعدل.
فهو يحرم الظلم، ويوجب التوكل، ويحذر من الغرور، ويبشر بسعة المغفرة، ويرسخ عقيدة الجزاء العادل يوم القيامة.
فحري بكل مسلم أن يتأمل في كلماته العظيمة، وأن يجعلها نبراسا يضيء له طريق العبودية الخالصة لله ذي الجلال.
نسأل الله أن يهدينا لأحسن الأعمال، وأن يغفر لنا زلاتنا، وأن يطعمنا ويكسونا من فضله الواسع العظيم المنان.