جارٍ التحميل...

جارٍ التحميل...
يبدأ الحديث ببيان حال الصحابة وهم جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم لتلقي العلم.
إذ ظهر فجأة رجل مجهول الهوية، ثيابه شديدة البياض وشعره شديد السواد، ولا يبدو عليه التعب.
ولم يكن يرى عليه أثر السفر، وفي نفس الوقت لا يعرفه أحد من أهل المدينة فهو غريب عنهم.
وتقدم هذا الرجل حتى جلس ملاصقاً للنبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتي النبي.
ووضع كفيه على فخذي نفسه في جلسة تدل على غاية الأدب والاحترام أمام المعلم والمربي.
ونادى النبي باسمه المجرد "يا محمد" ليوهم الحاضرين بأنه أعرابي غريب وليس من أهل الحضر.
فسأله عن الإسلام، فأجابه النبي بأركانه الخمسة الظاهرة، مبتدئاً بشهادة التوحيد الخالصة لله.
وتعجب الصحابة من هذا السائل المجهول الذي يسأل النبي ثم يصدقه بقوله "صدقت" كأنه عالم.
والركن الأول هو الشهادتان، وهما أصل قبول الأعمال، إذ تستلزم الأولى الإخلاص والثانية المتابعة.
ومعنى لا إله إلا الله أي لا معبود حق إلا الله، فكل ما يعبد من دونه هو باطل لا ينفع ولا يضر.
وشهادة أن محمدا رسول الله تقتضي تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه وزجر.
ولا يجوز معارضة قوله بقول أي بشر كائنا من كان، ولا الابتداع في دينه ما لم يأت به شرعه.
ومن تمام هذه الشهادة أن تعتقد أنه عبد لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، فلا يدعى ولا يستغاث به.
ثم ذكر إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان، وهي العبادات البدنية والمالية التي يقوم عليها الدين.
وختم أركان الإسلام بحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا، وخصه بالاستطاعة لغلبة المشقة فيه.
ومن ترك هذه الأركان متهاونا فلا يكفر إلا بترك الصلاة، لورود الأدلة الصحيحة الدالة على كفر تاركها.
ثم انتقل السائل ليسأل عن مرتبة الإيمان، والإيمان شرعا هو الإقرار والاعتراف المستلزم للقبول والإذعان.
فلا يكفي مجرد التصديق القلبي دون انقياد، ولهذا كان أبو طالب مقرا بالنبي ولم ينفعه ذلك لعدم قبوله.
والإيمان بالله يتضمن الإيمان بوجوده، وانفراده بالربوبية، وانفراده بالألوهية، وبأسمائه وصفاته الحسنى.
ويجب إثبات ما أثبته الله لنفسه من الصفات دون تحريف أو تعطيل أو تكييف أو تمثيل كاستوائه على العرش.
والإيمان بالملائكة يتضمن التصديق بوجودهم كعالم غيبي خلقهم الله من نور، وهم أجسام حقيقية لا قوى.
ومنهم من وكل بالوحي كجبريل، ومن وكل بالقطر كميكائيل، ومن وكل بالنفخ في الصور كإسرافيل.
وهم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون عن الطاعة.
ومنهم حفظة يكتبون أعمال بني آدم، ومنهم من يقبض الأرواح، ومنهم من يسأل الميت في ظلمة القبر.
والركن الثالث هو الإيمان بالكتب التي أنزلها الله على رسله لهداية البشر، كالتوراة والإنجيل والقرآن.
ويجب الإيمان بأن القرآن الكريم هو المهيمن عليها والناسخ لجميع الشرائع السابقة فلا يعمل إلا به.
أما الرسل فهم رجال أوحى الله إليهم بشرع وأمرهم بتبليغه، وأولهم نوح عليه السلام وآخرهم محمد.
وأفضل الرسل هم أولو العزم الخمسة: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
والركن الخامس هو الإيمان باليوم الآخر، وهو يوم القيامة الذي يبعث الله فيه من في القبور للحساب.
ويتضمن الإيمان بكل ما أخبر به النبي مما يكون بعد الموت، كفتنة القبر ونعيمه وعذابه وحشر الخلائق.
ولا يجوز القول بأن القبر هو "المثوى الأخير"، لأن هذا اللفظ يوهم إنكار البعث والنشور بعد الموت.
وإنكار البعث كفر بالله، وقد أقام الله الأدلة العقلية والحسية على قدرته التامة على إعادة الخلق من جديد.
أما الركن السادس والأخير من أركان الإيمان فهو الإيمان بالقدر خيره وشره، وهو مبني على أربع مراتب.
المرتبة الأولى هي "العلم"، وهي أن تؤمن بأن الله عالم بكل شيء جملة وتفصيلا قبل حدوثه وبعده.
فعلم الله محيط بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، ولا يخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.
والمرتبة الثانية هي "الكتابة"، وتعني أن الله كتب مقادير الخلائق كلها في اللوح المحفوظ إلى يوم القيامة.
وهذه الكتابة العامة لا تتغير ولا تتبدل، وهناك كتابات أخرى كالكتابة العمرية في بطن الأم والحولية في ليلة القدر.
والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، ولا يجوز قول "لا أسألك رد القضاء بل اللطف فيه" بل يسأل الله العافية التامة.
والمرتبة الثالثة هي "المشيئة"، فكل ما يحدث في الكون من حركة أو سكون فهو بمشيئة الله وإرادته الكونية.
فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وهذا يشمل أفعال العباد أيضا، فهم يفعلونها باختيارهم ومشيئتهم التابعة لمشيئة الله.
المرتبة الرابعة هي "الخلق"، فالله خالق كل شيء، والإنسان وعمله وحركاته كلها مخلوقة لله جل وعلا.
ولا يصح الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي أو ترك الواجبات، فالإنسان مخير وله إرادة وقدرة يتصرف بها.
ولو كان الاحتجاج بالقدر صحيحا لما عاقب الله المشركين، ولما أقام الحدود على العصاة والمجرمين.
والشر لا ينسب إلى الله في فعله وقضائه، وإنما الشر يكون في المقدور والمخلوق لحكم بالغة يعلمها الله.
ثم سأل جبريل عن الإحسان، فأجابه بأنه عبادة الله كأنك تراه، وهذه مرتبة الطلب والشوق وهي الأعلى.
فإن لم تصل إلى هذه المرتبة فاعبده على يقين بأنه يراك، وهذه مرتبة الهرب والخوف من عقاب الله.
فالإحسان هو غاية المراتب وأكملها، ولا يتحقق إلا بكمال الإخلاص لله وتمام المتابعة لرسول الله في العبادة.
وهذا الترتيب النبوي يبين أن الإسلام أوسع دائرة من الإيمان، والإيمان أوسع من دائرة الإحسان.
ثم تطرق جبريل لسؤال النبي عن موعد قيام الساعة، فأجاب النبي بأنه لا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله.
فعلم الساعة من مفاتيح الغيب التي استأثر الله بها، فلا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل كائنا من كان.
ومن صدق مدعيا بتحديد موعد للساعة فهو كافر مكذب للقرآن الكريم ولصريح السنة النبوية المطهرة.
ولكن النبي أخبر عن بعض أماراتها وعلاماتها، ومنها أن تلد الأمة ربتها، أي أن تلد الرقيقة سيدها ومالكها.
وهذا كناية عن تغير الأحوال بسرعة واختلال الموازين، ويدل عليه العلامة الثانية المذكورة في الحديث.
وهي أن ترى الحفاة العراة العالة، أي الفقراء رعاة الشاة، يتطاولون في البنيان ارتفاعا وزينة وتفاخرا.
وهذه العلامات من أشراط الساعة الصغرى التي وقعت ولا تزال تتجدد وتزداد مع مرور الأزمان وتعاقب الأجيال.
ولم يذكر النبي علامات أخرى أوضح اكتفاء بهذه الصورة البليغة الدالة على انقلاب أحوال المجتمع.
وبعد أن انتهى السائل من أسئلته انطلق واختفى، فلبث عمر مليا، أي انتظر مدة طويلة قبل أن يسأله النبي.
فقال النبي لعمر: أتدري من السائل؟ فأجاب عمر بأدب المتعلم: الله ورسوله أعلم، وهذا يدل على جهله به.
فأخبره النبي بأنه جبريل عليه السلام، نزل على صورة بشر ليعلم الصحابة أمور دينهم عن طريق السؤال.
وفي هذا بيان لجواز إلقاء العالم المسألة على طلابه لاختبارهم وتعليمهم، وهو من حسن التعليم النبوي.
ويستفاد من الحديث أن الملائكة عليهم السلام يمشون إذا تشكلوا بهيئة البشر، ويطيرون بأجنحتهم في هيئتهم.
وأن ما تضمنه هذا الحديث من أركان وشرائع وعقائد يعتبر هو الدين شاملا للإسلام والإيمان والإحسان.
وفيه بيان لتواضع النبي صلى الله عليه وسلم حيث يجلس مع أصحابه كواحد منهم دون تكبر أو تعال عليهم.
وهذا الحديث يسمى بأم السنة لما حواه من أمهات المسائل وأصول الدين العظيمة التي لا غنى لمسلم عنها.