جارٍ التحميل...

جارٍ التحميل...
يروي هذا الحديث الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله عنه مبينا أبوابا واسعة من أبواب الخير والصدقات.
ويبدأ الحديث ببيان نعمة عظيمة من نعم الله على الإنسان وهي نعمة المفاصل التي يتركب منها جسده.
فقوله كل سلامى من الناس عليه صدقة، السلامى هي المفاصل والعظام التي يربط بعضها ببعض في البدن.
وقد ورد في أحاديث أخرى صحيحة أن في جسد الإنسان ثلاثمائة وستين مفصلا، كلها من نعم الله البديعة.
فهذه المفاصل هي التي تتيح للإنسان الحركة والقيام والقعود والأخذ والعطاء، ولولاها لكان كالخشبة الجامدة.
وبما أن هذه المفاصل نعمة تتجدد كل يوم، فقد أوجب النبي صلى الله عليه وسلم على كل مفصل صدقة يومية.
فقوله كل يوم تطلع فيه الشمس يؤكد أن هذا الشكر وهذه الصدقة مطلوبة بصفة دورية في كل صباح جديد.
ولما كان إخراج ثلاثمائة وستين صدقة مالية كل يوم أمرا شاقا، وسع النبي مفهوم الصدقة ليشمل الأعمال الصالحة.
فبدأ بأعظم الصدقات المتعدية النفع فقال تعدل بين اثنين صدقة، والعدل بين الاثنين هو الإصلاح بينهما بالحق.
سواء كان ذلك في الدماء أو الأموال أو الأعراض أو حتى في الخلافات الزوجية والأسرية التي تقع بين الناس.
فالإصلاح بين المتخاصمين بالعدل والإنصاف يزيل الشحناء من القلوب، ويمنع تفكك المجتمع وتمزق روابطه.
وهو من أفضل الأعمال عند الله، بل قد يفضله الشارع على نوافل الصلاة والصيام لما فيه من النفع العام.
ثم قال وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، وهذا من باب التعاون على البر.
والدابة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانت تشمل الإبل والخيل والبغال والحمير التي يركبها الناس للسفر.
وفي زماننا الحاضر يقاس عليها إعانة الرجل في سيارته، كأن تساعده في إصلاح عطل فيها أو دفعها أو الركوب معه.
أو تعاونه في حمل حقائبه وأغراضه الثقيلة ووضعها في مركبته، فكل هذا الجهد البدني المبذول لأخيك يعد صدقة.
ثم انتقل النبي إلى اللسان فقال والكلمة الطيبة صدقة، وهذا باب واسع جدا لا يعجز عنه فقير ولا غني.
والكلمة الطيبة تشمل الكلمة الطيبة في حق الله عز وجل، كالتسبيح والتحميد والتكبير وقراءة القرآن الكريم.
وتشمل الكلمة الطيبة في حق المخلوقين، كإلقاء السلام، ورد التحية، وتشميت العاطس، والدعاء للإخوان بالخير.
وكذلك الكلمة التي تدخل السرور على قلب المسلم، وتزيل همه، وتواسيه في مصيبته، وتشجعه على نوائب الدهر.
فكل كلام يرضي الله ويسعد الناس فهو كلمة طيبة، يكتب بها للعبد صدقة ترفع درجاته وتحط من سيئاته يوم القيامة.
ثم قال وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وهذا ترغيب عظيم في شهود الصلوات الخمس مع الجماعة في المساجد.
فكلما تباعدت دار المسلم عن المسجد، كثرت خطاه، وكثرت صدقاته وأجوره التي يجمعها في طريقه لبيت ربه.
وقد أخبر النبي أن أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم إليها ممشى، لأن في المشي إظهارا للشعيرة ورياضة للبدن.
وختم النبي هذه الأمثلة بقوله وتميط الأذى عن الطريق صدقة، وإماطة الأذى تعني إزالته وإبعاده عن مسار الناس.
والأذى يشمل كل ما يؤذي المارة في طريقهم، كالأشواك والأحجار والزجاج المتناثر والنفايات والمياه النجسة.
فإبعاد هذه الأشياء حماية للمسلمين من الضرر، وهو دليل على تواضع الفاعل وحبه للخير واهتمامه بالصالح العام.
ويدخل في إماطة الأذى المعنوي إرشاد التائه في الطريق، وتنبيه الغافل عن الحفر والمخاطر المرورية المختلفة.
وكذلك السعي لدى الجهات المسؤولة لإصلاح الطرقات المتهالكة التي تضر بمركبات الناس وتسبب الحوادث المؤلمة.
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا دخل الجنة بسبب غصن شوك وجده في طريق المسلمين فأخره عنه.
فهذه الأعمال اليسيرة في نظر الناس، عظيمة في ميزان الله، لأنها تنبع من قلب مليء بالرحمة والشفقة على الخلق.
وهذا التنوع البديع في الصدقات يتيح لكل مسلم أن يساهم في بناء مجتمعه بما يتوافق مع قدراته وطاقاته المتاحة.
وقد ورد في صحيح مسلم تفصيل آخر يسهل أداء هذه الصدقات الثلاثمائة والستين بجهد يسير وعمل واحد عظيم.
فبعد أن عد النبي صلى الله عليه وسلم أبواب الخير والصدقات، قال ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى.
أي أن أداء ركعتي الضحى يكفي ويقوم مقام هذه الصدقات كلها التي وجبت شكرا لله على نعمة المفاصل في الجسد.
وسبب ذلك أن الصلاة عمل يشترك فيه البدن كله، فتتحرك فيه جميع المفاصل والعظام بالركوع والسجود والقيام.
فتكون كل مفصل قد أدت شكرها العملي لله بالخضوع والاستكانة له في هذه الصلاة المباركة في وقت الضحى.
ووقت صلاة الضحى يبدأ من ارتفاع الشمس قيد رمح بعد شروقها، ويستمر إلى قبيل زوال الشمس وقت أذان الظهر.
وأقلها ركعتان، ولا حد لأكثرها فيصلي العبد ما شاء، وهي صلاة الأوابين الرجاعين إلى الله في أوقات الغفلة والانشغال.
فما أحرى المسلم أن يحافظ على هاتين الركعتين كل يوم، ليفوز بهذا الأجر العظيم ويؤدي شكر نعم الله عليه.
ويؤخذ من هذا الحديث الشريف قاعدة عامة وهي أن الشكر ليس مقصورا على شكر اللسان بكلمة الحمد لله فقط.
بل الشكر الحقيقي يكون باستعمال النعم التي وهبها الله للعبد في طاعته ومرضاته، ونفع عباده بها ما استطاع.
فمن شكر نعمة الصحة أن يعين الضعيف، ومن شكر نعمة المال أن يتصدق، ومن شكر نعمة العلم أن يعلم الجاهل.
والإسلام بهذا التوجيه يحول الفرد من كائن مستهلك نفعي إلى عنصر فاعل وعضو نافع في جسد الأمة الإسلامية.
فالجميع يعملون كخلية نحل متجانسة، القوي يسند الضعيف، والعالم يرشد الجاهل، في بيئة تسودها المحبة والإخاء.
ولنا أن نتخيل شكل المجتمع لو أن كل فرد فيه اعتبر نفسه مطالبا بتقديم هذه الصدقات اليومية لمن حوله بصدق.
لاختفت مظاهر الأنانية والقسوة، ولتلاشت الخصومات، ولأصبحت الشوارع نظيفة، ولعمت الكلمة الطيبة بين الناس.
فالشريعة الإسلامية لم تترك جانبا من جوانب الحياة إلا وضعت له من الآداب ما يكفل رقيه وازدهاره واستقراره.
ومن اللطائف البلاغية في الحديث التعبير بكلمة تطلع فيه الشمس، للإشارة إلى تجدد الأيام وتجدد الفرص للعمل.
فكأن كل إشراقة شمس هي نداء خفي للمؤمن ليجدد عهده مع الله، ويستأنف مسيرة العطاء والبذل بجد ونشاط.
فلا ييأس من تقصير الأمس، بل ينتهز فرصة اليوم الجديد ليعوض ما فاته، ويملأ صحيفته بالصدقات المتنوعة.
وفيه إشعار بقيمة الوقت، وأن اليوم الذي يمضي دون أن يقدم فيه المسلم نفعا لنفسه أو لغيره هو يوم خاسر ومغبون.
كما أن الحديث يربي المسلم على التواضع، فالتعاون في حمل المتاع وإماطة الأذى قد يترفع عنهما بعض المتكبرين.
ولكن المؤمن الحق يرى في هذه الأعمال البسيطة قمة الشرف، لأنها تقربه من الله وتجعله محبوبا في ملأ السماء.
فخير الناس أنفعهم للناس، وأحب العباد إلى الله أطوعهم له وأكثرهم رحمة بخلقه وسعيا في قضاء حوائجهم الماسة.
نسأل الله أن يوفقنا لأداء شكر نعمه، وأن يستعملنا في طاعته، وأن يجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر أينما كنا.