جارٍ التحميل...

جارٍ التحميل...
يسلط هذا الحديث الضوء على صفة من صفات الله الجليلة وهي أنه طيب جل جلاله.
وهذا الوصف يعني الكمال المطلق والطهارة التامة من كل نقص أو عيب أو آفة.
فالله سبحانه وتعالى طيب في ذاته العليا، وطيب في أسمائه الحسنى التي لا نقص فيها.
وطيب في صفاته التي تتسم بالكمال المطلق، وطيب في أفعاله التي لا تخرج عن الحكمة.
وبما أنه سبحانه متصف بهذا الكمال، فإنه لا يقبل من الأعمال والأقوال والأموال إلا ما كان طيبا.
فالعمل الطيب هو العمل الخالص لوجهه الكريم والموافق لسنة نبيه المصطفى صلوات الله عليه.
والمال الطيب هو المال الذي اكتسبه العبد من طرق مشروعة خالية من الغش والربا والظلم.
فمن تقرب إلى الله بمال خبيث كمن تصدق من مال مسروق فإن صدقته مردودة ولا تقبل منه.
وقد رفع الله عز وجل قدر المؤمنين حين وجه إليهم نفس الخطاب الذي وجهه لأكرم خلقه وهم الرسل.
فأمرهم جميعا بأكل الطيبات من الرزق والعمل الصالح الذي يقربهم من رضوان ربهم.
والطيب من الرزق يشمل ما أحله الله في ذاته كبهيمة الأنعام والفواكه والزروع وغيرها.
ويشمل أيضا ما كان حلالا في طريقة اكتسابه كالبيع والشراء المباح والهدية والإرث.
فلو أكل إنسان لحم شاة مذبوحة حلالا ولكنه سرقها، فإن هذا الأكل يعد خبيثا ومحرما لكسبه.
وقد ربط الله بين أكل الطيبات والعمل الصالح لأن الغذاء الحلال ينير القلب وينشط الجوارح.
فالجسد الذي ينمو على الحلال يكون أطوع لله وأسرع إلى الخيرات وأبعد عن المنكرات.
بينما الغذاء الحرام يظلم القلب ويثاقل البدن عن أداء العبادات ويقوده إلى ارتكاب المعاصي.
ويضرب النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث مثلا بليغا لرجل توفرت فيه أسباب إجابة الدعاء.
فالسبب الأول هو السفر، فالمسافر ينكسر قلبه ويبتعد عن وطنه، ودعوة المسافر مستجابة.
والسبب الثاني هو حالته الرثة، فهو أشعث الشعر أغبر الثياب، لا يهتم بزينة الدنيا المادية.
وهذا التذلل والافتقار من أقوى الأسباب التي تستجلب رحمة الله وعطفه على عبده الضعيف.
والسبب الثالث هو رفع اليدين إلى السماء، وهي حركة تدل على غاية التضرع والرجاء والطلب.
وقد أخبر النبي أن الله حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرا خائبتين.
والسبب الرابع هو الإلحاح في الدعاء باستخدام اسم الرب، قائلا يا رب يا رب بتذلل وانكسار.
فالربوبية تعني التربية والعطاء وتلبية الحاجات، والتوسل بها من أعظم أسباب القبول.
ورغم توفر كل هذه الأسباب القوية، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم استبعد إجابة دعائه.
والسر في هذا الاستبعاد يعود إلى مانع خطير وقوي أبطل مفعول تلك الأسباب كلها.
هذا المانع هو أن الرجل يأكل الحرام، ويشرب الحرام، ويلبس الحرام، وتغذى جسده بالحرام.
فالحرام أصبح نسيجا في دمه ولحمه، فشكل حاجزا سميكا يمنع صعود دعائه إلى السماء.
وهذا فيه تحذير شديد اللهجة لكل مسلم من التساهل في مصادر دخله وطرق كسبه.
فالدرهم الحرام قد يحرم العبد من خيرات كثيرة في الدنيا ويكون سببا لعذابه في الآخرة.
ومن الفوائد التربوية هنا ضرورة تفقد الإنسان لمطْعمه ومشربه قبل أن يشتكي من تأخر الإجابة.
فقد يكون الخلل في كسبه وهو لا يشعر، مما يستوجب توبة نصوحا ورد المظالم إلى أهلها.
وفي الحديث تنبيه على أدب عظيم من آداب الدعاء وهو الاقتصار على الأدعية الشرعية المأثورة.
فالأنبياء والصالحون كانوا يبدؤون دعاءهم بنداء الرب، ولم يبتدعوا ألقابا أو صيغا متكلفة.
فالابتعاد عن السجع المتكلف والألفاظ الغريبة في الدعاء هو هدي النبي وصحابته الكرام.
فالدعاء يجب أن يكون نابعا من القلب بكلمات بسيطة واضحة تعبر عن الحاجة الحقيقية للعبد.
كما ينبغي للمسلم أن يوقن بأن صفات الله كلها صفات كمال لا يشوبها أي نقص مطلق.
حتى الصفات التي قد تبدو نقصا في حق المخلوق كالمكر والخداع، هي في حق الله كمال وعدل.
لأنها تقع كعقوبة وجزاء لمن استعمل هذه الصفات السيئة في محاربة الله ورسله والمؤمنين.
أما الصفات التي تعتبر نقصا مطلقا كالخيانة والظلم فلا يجوز وصف الله بها بأي حال من الأحوال.
ويعلمنا الحديث أن العبادة لا تقتصر على الصلاة والصيام فقط، بل تمتد لتشمل المعاملات المالية.
فالتاجر الصدوق الأمين الذي يتحرى الحلال في بيعه وشرائه هو في عبادة مستمرة لله عز وجل.
والموظف الذي يتقن عمله ويأخذ راتبه بحق هو ممتثل لأمر الله بأكل الطيبات والعمل الصالح.
وهذا المفهوم الشامل للعبادة يجعل حياة المسلم كلها موجهة نحو مرضاة الله وطلب ثوابه.
ويحمي المجتمع من آفات الفساد المالي كالرشوة والاختلاس والغش في المعاملات التجارية.
لأن المسلم يدرك أن أي مكسب محرم سيكون نارا في جوفه وسببا لطرد رحمات الله عنه.
وهكذا تساهم العقيدة الصحيحة والفهم الدقيق للنصوص في بناء مجتمع طاهر ونظيف ومستقيم.
مجتمع يأكل أفراده الطيبات ويتسابقون في فعل الخيرات ويتجنبون كل ما يغضب رب الأرض والسموات.
وينبغي على المسلم أن لا يمتنع عن تناول الطيبات التي أحلها الله له من باب التنطع المذموم.
فقد خلق الله هذه النعم ليستمتع بها عباده المؤمنون ويستعينوا بها على طاعته وشكره.
وتحريم الحلال أو الامتناع عنه بغير سبب شرعي أو صحي يعد من سوء الأدب مع المنعم.
فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، والزهد الحقيقي ليس في تحريم المباحات ورفضها.
وإنما الزهد هو أن تملك الدنيا في يدك ولا تجعلها تسيطر على قلبك وتشغلك عن آخرتك.
فمن ترك الطيبات تعبدا ظانا أن ذلك يقربه إلى الله فقد خالف هدي الرسل الذين أمروا بأكلها.
ولنا في رسول الله أسوة حسنة، فقد كان يأكل اللحم والعسل ويحب الطيب ويقبل الهدية.
فالدين الإسلامي دين التوازن الذي يعطي الروح والجسد حقهما دون إفراط أو تفريط.
وختاما فإن هذا الحديث يعد دستورا أخلاقيا واقتصاديا متكاملا لبناء حياة إسلامية صحيحة.
فلا نجاح في الدنيا ولا فلاح في الآخرة إلا بالالتزام بمبدأ الطهارة في كل تفاصيل الحياة.
طهارة المعتقد من الشرك، وطهارة القلب من الحقد، وطهارة العمل من الرياء، وطهارة المال من الحرام.
وبهذه الطهارة الشاملة يصبح المسلم مستجاب الدعوة، قريبا من الله، محبوبا في السماء والأرض.
وتتنزل عليه البركات في رزقه وعمره وأهله، ويجد حلاوة الإيمان في قلبه وطمأنينة في نفسه.
فعلينا أن نحرص أشد الحرص على تنقية مكاسبنا، وأن نتواصى بالحق وبالصبر في هذا الزمان.
وأن نربي أبناءنا على محبة الحلال وإن قل، وكراهية الحرام وإن كثر وتزين في أعين الناس.
نسأل الله أن يغنينا بحلاله عن حرامه، وبفضله عمن سواه، وأن يتقبل منا أعمالنا ودعاءنا.