جارٍ التحميل...

جارٍ التحميل...
راوي هذا الحديث هو الصحابي الجليل والمقرئ الفاضل عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه.
وفيه يقرر النبي صلى الله عليه وسلم مبدأ عظيما من مبادئ الإسلام وهو عصمة دماء المسلمين.
فالأصل في دم المسلم التحريم المطلق، فلا يحل قتله أو سفك دمه بأي مبرر إلا استثناء بحق شرعي.
وقوله لا يحل دم امرئ مسلم تعبير بليغ يدل على تحريم القتل، لأن استباحة الدم تعني إزهاق الروح.
وقد ورد التعبير بالمرئ المذكر بناء على الغالب في التخاطب، وإلا فالمرأة المسلمة دماءها معصومة كذلك.
وقد أجمع المسلمون على تحريم قتل المسلم المعصوم، واعتبره القرآن من أكبر الكبائر الموجبة للخلود بالنار.
وأما غير المسلم فيحل دمه إذا كان محاربا، أما إن كان معاهدا أو ذميا أو مستأمنا فدمه معصوم أيضا.
ولا يجوز الغدر به أو الاعتداء عليه، لأن الإسلام يحترم العهود والمواثيق ويحرم نقضها تحت أي ظرف.
وقد حصر النبي صلى الله عليه وسلم الحالات التي يباح فيها دم المسلم في ثلاث خصال محددة واضحة.
وهذا التقسيم والحصر من حسن التعليم النبوي ليسهل الحفظ ولفهم القواعد العامة دون تشتت أو التباس.
الحالة الأولى التي يباح فيها الدم هي الثيب الزاني، والمراد بالثيب هنا من سبق له الجماع في نكاح صحيح.
فإذا زنا هذا المحصن بعد أن أنعم الله عليه بنعمة الزواج الحلال، فإنه يستحق أقسى عقوبة وهي القتل.
وقتل الثيب الزاني يكون بطريقة مخصوصة وهي الرجم بالحجارة المعتدلة الحجم حتى يفارق الحياة تماما.
وهذا يشمل الرجل والمرأة على حد سواء، ولا يقتل بالسيف لأن إحسان القتلة يعني موافقة الشريعة في تنفيذها.
والحكمة من الرجم أن شهوة الزنا تلذذ بها كل البدن، فكان الجزاء العادل أن يتألم كل البدن بهذه الحجارة.
أما البكر الذي لم يتزوج، فعقوبته الجلد مائة جلدة والتغريب لمدة عام كامل كما ورد في السنة المطهرة.
ولكن إثبات جريمة الزنا لإقامة هذا الحد الغليظ يعد من أصعب الأمور في الشريعة الإسلامية السمحة.
فلا يثبت الزنا إلا بشهادة أربعة رجال عدول، يشهدون برؤية الفعل دقيقا وواضحا بلا أدنى شك أو ريبة.
وهذا الشرط القاسي يجعل الإثبات بالشهادة شبه مستحيل، سترا للأعراض وحفظا لسمعة المجتمع من التهم.
والطريق الثاني للإثبات هو إقرار الزاني واعترافه على نفسه طواعية دون إكراه أو إجبار من أحد.
وقد اختلف العلماء هل يشترط تكرار الإقرار أربع مرات كما فعل ماعز بن مالك رضي الله عنه أم تكفي مرة.
والصحيح الذي تدل عليه الأدلة أنه يكفي الإقرار مرة واحدة ما لم تكن هناك شبهة جنون أو سكر أو غيره.
كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم برجم المرأة التي زنا بها الأجير بمجرد اعترافها دون اشتراط تكرار إقرارها.
وبهذا يتبين أن الشريعة تتشوف للستر وتدرأ الحدود بالشبهات، ولا تتشوف لقتل الناس أو تعذيبهم.
وهنا يبرز سؤال فقهي هام حول عقوبة اللواط، وهل يقاس على الزنا فيعاقب الفاعل والمفعول كالثيب والبكر؟
الجواب أن جريمة اللواط أشنع وأخبث، ولا تشترط فيها الإحصان، بل متى كانا بالغين عاقلين وجب قتلهما معا.
فاللواط انتكاس للفطرة ومرض فتاك يهدد بنية المجتمع وأخلاقه، وتدمير للرجولة والمعاني الإنسانية السوية.
وقد أجمع الصحابة رضي الله عنهم على وجوب قتل الفاعل والمفعول به، ولكنهم اختلفوا في طريقة القتل فقط.
فمنهم من رأى حرقهما بالنار لشناعة الفعل، ومنهم من رأى رجمهما، ومنهم من رأى إلقاءهما من أعلى شاهق.
وأما ما ينسب لبعض العلماء من الاكتفاء بالتعزير أو الرادع الفطري فهو قول ضعيف ومردود لا يلتفت إليه أبدا.
لأن النصوص الشرعية وإجماع الصحابة يقضيان بالقتل الحتمي استئصالا لهذا الداء الخبيث من جسد الأمة.
حماية للمجتمع من الانحلال، وحفظا للأعراض من دنس هذه الفاحشة العظيمة التي أهلك الله بها قوم لوط.
الحالة الثانية التي يباح فيها دم المسلم هي النفس بالنفس، وهو مبدأ القصاص العادل في جرائم القتل.
فإذا تعمد إنسان قتل آخر بغير حق شرعي، وجب قتله قصاصا بشروط محددة تضمن تحقيق العدالة المنشودة.
ومن أهم هذه الشروط أن يكون المقتول مكافئا للقاتل في الدين والحرية، فلا يقتل المسلم بكافر كما ورد في الحديث.
لأن المسلم أعلى منزلة، ويقتل الكافر بالمسلم لأنه دونه، وهذا من عزة الإسلام ورفعة شأن أتباعه الموحدين.
واختلف العلماء هل يقتل الوالد بولده إذا قتله عمدا؟ والجمهور على أنه لا يقتل به استدلالا ببعض الأحاديث.
لكن الصحيح الراجح أن القصاص عام يشمل الوالد إذا ثبت تعمده للقتل بلا شبهة تأديب لعموم الأدلة القرآنية.
لأن القاتل هنا معتد ظالم، وتخصيص العموم يحتاج لدليل قاطع، والحديث الوارد في منع قتل الوالد بولده ضعيف.
فالقصاص حياة للمجتمع، يردع المجرمين ويشفي صدور أولياء الدم، ويمنع من انتشار الثأر والقتل العشوائي.
الحالة الثالثة التي توجب القتل هي التارك لدينه المفارق للجماعة، والمقصود به المرتد عن دين الإسلام العظيم.
فالردة بأي شكل من أشكالها، سواء بإنكار معلوم من الدين بالضرورة، أو سب الله ورسوله، توجب القتل.
والمراد بالمفارق للجماعة أي الذي خرج عن جماعة المسلمين وعقيدتهم، فالمرتد يقتل حماية للدين والعقيدة.
وقد اختلف العلماء هل يستتاب المرتد قبل تنفيذ حكم القتل فيه؟ ومنهم من قال يقتل فورا دون أي استتابة.
ومنهم من رأى استتابته ثلاثة أيام، فإن تاب ورجع للإسلام ترك، وإن أصر على كفره وعناده نفذ فيه حكم القتل.
والصحيح أن الأمر يرجع لاجتهاد الحاكم أو القاضي، فإن رأى في الاستتابة مصلحة ورجاء لعودته استتابه ووعظه.
وإن كان المرتد مجاهرا بالسوء داعية للفتنة مستهزئا بالدين، جاز قتله فورا لحسم شره ودرء فتنته عن الناس.
فالأحكام الشرعية تراعي مصالح الأمة الكبرى، وتوازن بين الرحمة بالجاهل والحزم مع المعاند والمفسد.
ولكن هل تقبل توبة المرتد بعد أن يسب الله أو رسوله؟ هنا تفصيل دقيق يجب الانتباه له والتأمل في أحكامه.
فمن تاب توبة نصوحا من أي كفر كان، فإن الله يقبل توبته باطنا ويغفر له، فالله أرحم بعباده وأوسع مغفرة.
ولكن الخلاف في إجراء أحكام الدنيا عليه، فسب الله أو سب الرسول جريمة شنيعة تتجاوز الردة العادية المجردة.
فقد ذهب بعض العلماء إلى أن ساب الله لا تقبل توبته في الدنيا بل يقتل حدا، وكذلك ساب رسول الله يقتل.
لأن سب الرسول اعتداء على حقه الشخصي، وهو ميت لا نعلم هل سيعفو أم لا، فيجب قتله لحفظ مقامه الشريف.
والقول الراجح أن من سب الله ثم تاب وظهرت منه دلائل الصدق تقبل توبته ولا يقتل، لعموم نصوص المغفرة.
أما ساب الرسول فيقتل حتى لو تاب، لأنها عقوبة دنيوية لحق آدمي لم يعف عنه، مع قبول توبته في الآخرة إن صدق.
وهذا يضمن بقاء هيبة الرسول الأعظم في النفوس، ويمنع المنافقين من التلاعب والتجرؤ على مقامه الرفيع.
وفي ختام هذا الشرح، يتجلى لنا بوضوح مدى احترام الإسلام للحياة الإنسانية وحرصه الشديد على حمايتها.
فلم يشرع القتل إلا في أضيق الحدود، كعلاج جراحي أخير لاستئصال أعضاء فاسدة تهدد بقاء الجسد وسلامته.
فالزاني المحصن يهدد النسل والأسرة، والقاتل يهدد أمن الأفراد وحياتهم، والمرتد يهدد هوية الأمة وتماسكها.
فكان لابد من الحزم مع هؤلاء ليعيش باقي الناس في أمن وأمان، لا يخافون على أرواحهم أو أعراضهم أو عقائدهم.
ولا يجوز لأي فرد من آحاد الناس أن ينفذ هذه العقوبات بنفسه، بل هي منوطة بولي الأمر والقضاء الشرعي العادل.
منعا للفوضى وإراقة الدماء بالشبهات، وضمانا لتطبيق شروط الإثبات الدقيقة التي حددها الشرع الحنيف بوضوح.
فنسأل الله أن يفقهنا في ديننا، وأن يعصم دماءنا وأموالنا، وأن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.
وأن يرزقنا التمسك بهدي النبوة، وأن يجعلنا من حراس العقيدة والمدافعين عن شريعة الإسلام الخالدة السمحة.