جارٍ التحميل...

جارٍ التحميل...
يروي هذا الحديث الصحابي الجليل العرباض بن سارية رضي الله عنه، واصفا مشهدا مؤثرا من مشاهد التربية النبوية.
فقال وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون حزنا وتأثرا وخشية.
والموعظة هي التذكير بالخير والترغيب فيه، والتخويف من الشر والترهيب منه، بأسلوب يرقق القلوب ويحيي الضمائر.
وكان النبي يتخول أصحابه بالموعظة ولا يكثر عليهم لئلا يملوا، فإذا وعظهم أتى بكلمات بليغة تهتز لها الجوارح.
فلما رأى الصحابة شدة هذه الموعظة وعمق تأثيرها، أحسوا وكأنها موعظة مودع يفارقهم، والمودع يستقصي في النصح.
فقالوا يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا، فطلبوا منه وصية جامعة تكون لهم نبراسا ودليلا بعد فراقه لهم.
وهذا الموقف يدل على صدق الصحابة ورقة قلوبهم، وحرصهم الشديد على التمسك بهدي نبيهم في كل تفاصيل حياتهم.
فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم بوصية عظيمة جمعت أصول الدين، وحذرت من أعظم أسباب الفرقة والهلاك في الأمة.
بدأ النبي وصيته بأعظم وأهم وصية عرفتها البشرية فقال أوصيكم بتقوى الله، والتقوى هي وصية الله للأولين والآخرين.
وهي أن يجعل العبد بينه وبين عذاب الله وقاية، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وأن يعمل بطاعة الله على نور من الله.
ثم ثنى بالوصية السياسية والاجتماعية التي تحفظ كيان الأمة فقال والسمع والطاعة، أي لولاة أمور المسلمين وأمرائهم.
فالسمع هو الانتباه لأوامرهم، والطاعة هي التنفيذ والانقياد، ما لم يأمروا بمعصية الله، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وبالغ النبي في تأكيد هذا المبدأ فقال وإن تأمر عليكم عبد، أي حتى لو كان الحاكم عبدا حبشيا مجدوع الأطراف والأطراف.
فما دام قد استتب له الأمر، وبويع بالخلافة أو الإمارة، وجبت طاعته، وحرم الخروج عليه بالسيف أو شق عصا الطاعة ضده.
لأن الخروج على الحكام يورث الفتن، ويسفك الدماء، ويهلك الحرث والنسل، وتضيع بسببه الحقوق والأمن والاستقرار.
فطاعة ولي الأمر في المعروف عبادة يتقرب بها المسلم إلى الله، وليست مجرد رضوخ سياسي كما يتوهم البعض من الجهال.
ثم انتقل النبي إلى إخبار غيبي يمثل نبوءة صادقة من نبوءاته فقال فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا وعظيما.
وقد وقع هذا الاختلاف في العقائد والأفكار والمذاهب بعد وفاة النبي بمدة يسيرة، وتفرق الناس فرقا وشيعا وأحزابا متناحرة.
فلما شخص لهم الداء وهو الاختلاف، وصف لهم الدواء الناجع والحل الحاسم فقال فعليكم بسنتي أي الزموها وتمسكوا بها.
والسنة هي الطريقة والمنهج، وتشمل أقوال النبي وأفعاله وتقريراته، فهي الحبل المتين الذي يعصم من الغرق في بحر الفتن.
ثم أضاف وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين بلا استثناء أو تفريق.
فقد أجمع المسلمون على فضلهم وإمامتهم، وسنتهم تابعة لسنة النبي ومكملة لها، لأنهم أعلم الناس بمراده ومقاصد شريعته.
وقد أمر النبي بالتمسك بهذه السنة بقوة فقال عضوا عليها بالنواجذ، والنواجذ هي الأضراس القوية في آخر الفم والأسنان.
وهذا تعبير بليغ يدل على شدة الاستمساك وعدم التفريط، كمن يقبض على شيء ثمين بأسنانه لئلا ينتزع منه بالقوة والقهر.
وبعد أن أمر بالتمسك بالحق، حذر من الباطل فقال وإياكم ومحدثات الأمور، وهو تحذير شديد من الابتداع في الدين الحنيف.
والمحدثات هي الأمور التي أحدثت بعد النبي ولم يكن عليها أمر الصحابة، سواء كانت في أبواب العقائد أو العبادات العملية.
فكل من تعبد الله بعبادة لم يشرعها الله ورسوله، كإحداث أذكار معينة بصفات محدودة أو أعياد لم تعرف، فهو مبتدع آثم.
وقطع النبي الطريق على كل من يحاول تبرير بدعته فقال فإن كل بدعة ضلالة، وهذه قاعدة كلية عامة لا يستثنى منها شيء.
فليس في الإسلام ما يسمى بالبدعة الحسنة في مجال العبادات، لأن الدين قد كمل بقوله تعالى اليوم أكملت لكم دينكم.
فمن ابتدع في الدين فقد استدرك على الله ورسوله، واتهم الشريعة بالنقص الذي يحتاج إلى تكميل من عقله وهواه الفاسد.
أما المصالح المرسلة كجمع القرآن في المصاحف، أو إنشاء المدارس والمستشفيات، فهذه ليست بدعا بل هي وسائل للطاعات.
فالوسائل لها أحكام المقاصد، والبدعة المذمومة هي ما قصد به التعبد والتقرب إلى الله بغير ما شرعه في كتابه وسنة نبيه.
ويؤخذ من هذا الحديث العظيم أهمية الوعظ والتذكير، وأن القلوب تحتاج إلى من يوقظها من غفلتها بمواعظ مؤثرة صادقة.
فالعالم والداعية يجب أن يجمع بين التعليم الفقهي الجاف والوعظ القلبي الرقيق، ليغذي عقول الناس وأرواحهم في آن واحد.
كما يبين الحديث خطورة التفرق والاختلاف، وأنه مرض يهدد كيان الأمة، ولا مخرج منه إلا بالرجوع لمنابع الوحي الصافية.
فمتى ما تنازع المسلمون في مسألة، وجب ردهم إلى الكتاب والسنة، وفهم السلف الصالح الذين زكاهم النبي ورضي عنهم.
وبهذا الفهم الصحيح تغلق أبواب الفتن، وتجتمع كلمة الأمة على الحق، وتندحر دعوات المبتدعين وأصحاب الأهواء المفرقة.
ويجب على المسلم أن يكون حذرا من الدعوات التي ترفع شعار التجديد وهي في حقيقتها تهدم ثوابت الدين وتلغي سننه.
فكل تجديد يمس العقيدة أو العبادات الثابتة هو ضلالة بنص هذا الحديث، وإن زخرفه أصحابه بعبارات براقة خادعة للعوام.
فالنجاة كل النجاة في الاتباع، والهلاك كل الهلاك في الابتداع، وكما قيل: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم والمحجة بيضاء.
إن الوصية بالسمع والطاعة للحكام تبرز واقعية الإسلام، فهو دين لا يعيش في المثاليات الخيالية بل يتعامل مع طبائع البشر.
فالسلطة ضرورة لاستقرار أي مجتمع، وبدونها تعم الفوضى ويأكل القوي الضعيف، وتتعطل مصالح الدين والدنيا تماما.
لذا أمر الشرع بالصبر على جور الأئمة واستئثارهم بالأموال، ما داموا يقيمون الصلاة ولا يظهرون كفرا بواحا صريحا للعيان.
لأن مفسدة الخروج عليهم وسفك الدماء أعظم بكثير من مفسدة الصبر على ظلمهم، وهذا ما أثبتته التجارب التاريخية المريرة.
والنصح لهم يكون سرا وبالحكمة والموعظة الحسنة، لا بالتشهير والتأليب على المنابر الذي يولد الأحقاد ويشعل نيران الفتنة.
وبهذا التوازن يحافظ الإسلام على هيبة الدولة من جهة، ويضمن إيصال كلمة الحق للحاكم من جهة أخرى بلا إحداث ضرر.
فمن التزم بهذه الوصية النبوية عاش في سلام، وبرئت ذمته أمام الله، وسلم من المشاركة في إراقة دماء المسلمين المعصومة.
وهذه هي عقيدة أهل السنة والجماعة التي استقرت عليها الأمة بعد فتن الخوارج والمعتزلة وغيرها من الفرق المارقة الضالة.
وختاما فإن حديث العرباض بن سارية يعتبر من المرتكزات الأساسية لمنهج الفرقة الناجية والطائفة المنصورة إلى يوم القيامة.
فهو يحدد معالم الطريق بوضوح لا يقبل التأويل، تقوى الله، وطاعة ولي الأمر، ولزوم السنة، ومجانبة البدع والمحدثات كلها.
فمن أخذ بهذه الوصايا الأربع فقد أخذ بحظ وافر من الخير، واستمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، وأمن من الزلل.
وحري بكل مسلم أن يعلم هذا الحديث لأبنائه وأهل بيته، ليتربوا على تعظيم السنة وكراهية البدعة، وليعرفوا منهج السلف.
ففي زمن كثرت فيه الفتن واشرأبت فيه أعناق المبتدعين، لا عاصم من الضلال إلا بالاعتصام بما كان عليه النبي وأصحابه.
نسأل الله العلي القدير أن يحيينا على السنة، وأن يميتنا على الإسلام، وأن يحشرنا في زمرة الأنبياء والصديقين والشهداء.
وأن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يوفق ولاة أمورنا لما يحبه ويرضاه، وأن يجمع كلمة المسلمين على الحق المبين.
وأن يرزقنا التمسك بسنة نبينا محمد وسنة خلفائه الراشدين، وأن يعيذنا من مضلات الأهواء والبدع، إنه سميع مجيب الدعاء.