جارٍ التحميل...

جارٍ التحميل...
يروي هذا الحديث الصحابي الجليل سعد بن سهل الساعدي رضي الله عنه مبينا عظم همة الصحابة الكرام.
فقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلب منه دلالة على عمل عظيم يجمع له خيري الدنيا والآخرة.
فقال يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس، وهذا يمثل غاية المطالب وأعلاها.
فالصحابة كانوا يسألون ليعملوا ويطبقوا، بخلاف كثير من المتأخرين الذين يسألون لمجرد المعرفة والاطلاع.
أو يتنقلون بين المفتين للبحث عن رخص توافق أهواءهم، وهذا يتنافى مع الصدق في طلب الحق والهدى.
فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم بجواب جامع مانع وقاعدة ذهبية عظيمة تكفل له تحقيق هاتين الغايتين.
فقال له ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس، فربط المحبة بالتجرد والزهد.
وهذا التوجيه النبوي يعتبر دواء ناجعا لأمراض القلوب المتعلقة بالماديات واللاهثة خلف حطام الدنيا.
والزهد مرتبة عالية تفوق مرتبة الورع، فالورع هو ترك ما يضر الإنسان في أمر آخرته ودينه وصلاحه.
أما الزهد فهو أرفع من ذلك، وهو ترك ما لا ينفع في الآخرة، حتى وإن كان من الأمور المباحة الطيبة.
فالزاهد يتخلى عن الفضول التي لا تزيد في رصيد حسناته، ويوجه طاقته لما يقربه إلى جنات النعيم.
وقد سميت الدنيا بهذا الاسم لسببين رئيسيين، الأول لدنُوها في الزمن، فهي الدار العاجلة قبل الآخرة.
والثاني لدنوها وانحطاطها في المرتبة والقيمة مقارنة بما أعده الله للمتقين من النعيم المقيم في الجنة.
فموضع سوط أحدنا في الجنة خير من الدنيا وما فيها، وركعتا الفجر خير من الدنيا وما حوت من كنوز.
وهي دار مليئة بالمنغصات، فلا يكاد يمر على الإنسان وقت من السرور إلا ويعقبه حزن وتعب وكدر.
فالعاقل لا يركن إلى دار هذه صفتها، بل يتخذها معبرا وجسرا يوصله إلى الدار الباقية التي لا تفنى.
وفي الحديث إثبات لصفة المحبة لله عز وجل، وهي محبة حقيقية تليق بجلاله وعظمته وكماله المطلق.
فالله يحب عباده المتقين المحسنين، ومحبته ليست كمحبة المخلوقين، بل هي أعظم وأجل من أن تدرك.
وقد ضل في هذا الباب أقوام حكموا عقولهم القاصرة، فنفوا المحبة زاعمين أنها تستلزم النقص والتشبيه.
فأولوها بأنها مجرد الإثابة على العمل، وهذا تأويل فاسد يرده النقل الصريح والعقل السليم والفطرة.
فالعقل يدرك أن الإثابة لا تكون إلا عن محبة للعمل وللعامل، فالمحبة صفة قائمة بذات الله عز وجل.
ومنهج أهل السنة والجماعة هو إثبات ما أثبته الله لنفسه من الصفات دون تحريف أو تعطيل أو تكييف.
فنسكت عما سكت الله عنه، ونؤمن بما جاء في الكتاب والسنة تسليما كاملا لرب العالمين المنزه عن النقص.
وهذا هو طريق السلامة والأدب مع الله، وهو المنهج الذي يحفظ للمسلم عقيدته نقية صافية من البدع.
وأما الشق الثاني من الحديث فهو قوله وازهد فيما عند الناس يحبك الناس، وهو توجيه اجتماعي راق.
فلا حرج على المسلم أن يطلب محبة الناس له، حتى وإن كانوا كفارا مسالمين غير محاربين للدين.
فالإحسان إليهم والعدل معهم يجلب مودتهم، ولكن المحذور أن يميل قلب المسلم لمحبتهم وموالاتهم.
والزهد فيما عند الناس يعني عدم التطلع إلى ما في أيديهم من أموال ومناصب وممتلكات زائلة.
ويشمل ذلك التعفف عن سؤالهم وطلب معونتهم إلا في حالات الضرورة القصوى التي لا مندوحة عنها.
لأن كثرة السؤال تثقل كاهل الناس وتجعل السائل دنيئا ذليلا في أعينهم، واليد العليا خير من اليد السفلى.
فمن استغنى عن الناس وعف نفسه، كبر في نفوسهم، وعظم قدره عندهم، وأحبوه لتركه مزاحمتهم.
فالنفوس مجبولة على الشح وحب التملك، ومن نازعها في محبوبها أبغضته، ومن زهد فيه والته ووقرته.
ومن صور التعفف المطلوبة ألا يعرّض المسلم برغبته في ممتلكات غيره تلميحا إن لم يصرح بذلك علانية.
كأن يرى مع صديقه قلما جميلا أو ساعة ثمينة، فيبالغ في مدحها مبديا إعجابه الشديد ليحمله على إهدائها.
فهذا الأسلوب الملتوي يعتبر نوعا من السؤال المذموم الذي يريق ماء الوجه ويورث الاستثقال في القلوب.
فإن فعل ذلك وجب على العاقل أن يرده بلباقة، كأن يدله على مكان بيعها في السوق ليشتري مثلها بماله.
ليتربى المسلم على عزة النفس وعلو الهمة، ولا يذل نفسه طمعا في متاع زائل يعكر صفو المودة والأخوة.
ويستثنى من ذلك حالة واحدة، وهي أن يعلم يقينا أن طلبه لشيء يسير سيدخل السرور العظيم على قلب صاحبه.
كما قَبِل النبي صلى الله عليه وسلم اللحم الذي تصدق به على بريرة، تطييبا لخاطرها وإدخالا للسرور عليها.
ففي هذه الحالة تنتفي مذلة السؤال، وتصبح الغاية إيناس القلوب وتقوية روابط المحبة الصادقة بين المؤمنين.
ويجب أن يصحح مفهوم الزهد في أذهان الكثيرين الذين يظنونه مقصورا على لبس المرقعات وترك الطيبات.
فالزهد الحقيقي لا يتنافى مع التمتع بما أحل الله من المراكب الفارهة والمساكن الواسعة والثياب النظيفة.
فالله جميل يحب الجمال، ويحب أن يرى أثر نعمته على عبده، شكرا للمنعم واعترافا بفضله الواسع الكريم.
وإنما الزهد أن تكون هذه النعم في يدك تسخرها لمرضاة الله، ولا تدعها تتسلل إلى قلبك فتستعبدك للهوى.
فلا تغتر بالمظاهر الخادعة لمن يدعي التقشف وهو حريص على الدنيا مكالب عليها في باطنه وسريرته.
فرب لباس رث يخفي تحته قلبا مريضا، ورب غني متمتع بنعم الله قلبه أزهد في الدنيا من كثير من الفقراء.
فالعبرة بما استقر في القلوب من تعلق بالآخرة واستعداد ليوم الرحيل، لا بما يظهره الإنسان من شظف العيش.
فالإسلام دين التوازن الذي يعطي الروح حقها، ولا يبخس الجسد حظه من الطيبات التي سخرها الله للإنسان.
إن الزهد في الدنيا هو من أعظم أسباب نيل محبة الله عز وجل، كما صرح بذلك النبي الصادق المصدوق.
ومن نال محبة الله فقد فاز فوزا عظيما، وكتب له القبول في الأرض، وألقيت محبته في قلوب أهل السماء.
وهناك أسباب أخرى عظيمة لمحبة الله، وعلى رأسها الاتباع المطلق لسنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
كما قال تعالى قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم تواب.
فكلما ازداد العبد اتباعا وتمسكا بالهدي النبوي، ازدادت درجة محبته عند ربه، وعلا شأنه في الدارين.
فلا طريق يوصل إلى الله إلا طريق نبيه، وكل الطرق مسدودة إلا من جاء مقتفيا أثره ومتبعا لسنته الغراء.
والمؤمن الكيس هو الذي يجمع بين الزهد في الدنيا الفانية، والاتباع الدقيق للسنن الظاهرة والباطنة.
ليصوغ من نفسه نموذجا فريدا للمسلم الذي يعيش في واقعه بقوة، وقلبه محلق في ملكوت السماوات العلى.
وختاما فإن هذا الحديث يمثل مدرسة متكاملة في التهذيب النفسي والرقي الاجتماعي وحسن التعامل بين الناس.
فهو يعالج داء الطمع الذي يفسد المجتمعات، ويقطع دابر الحسد والتناحر على المناصب والمكاسب الدنيوية.
ويوجه طاقات الأمة نحو البناء والعمل للآخرة، مع الاحتفاظ بكرامة الفرد وعزته واستغنائه عن الخلق.
فإذا ساد هذا الفهم في مجتمع ما، تلاشت منه مظاهر التملق والنفاق، وحلت محلها عزة الإيمان والكرامة.
وأصبح الناس إخوة متحابين، لا يطمع أحدهم فيما بيد أخيه، بل يبارك له نعمة الله ويسأل الله من فضله.
نسأل الله العلي القدير أن يزهدنا في دنيانا، وأن يرغبنا في أخرتنا، وأن يجعلنا من عباده المخلصين الأبرار.
وأن يرزقنا محبته ومحبة من يحبه، ومحبة كل عمل يقربنا إلى حبه، وأن يكفينا بحلاله عن حرامه بفضله.
وأن يعصمنا من فتنة الدنيا وزخرفها، وأن يجعلها في أيدينا عونا على طاعته، ولا يجعلها في قلوبنا فتلهينا.