جارٍ التحميل...

جارٍ التحميل...
يروي هذا الحديث الصحابي الجليل أبو عمرو وقيل أبو عمرة سفيان بن عبد الله رضي الله عنه.
وقد جاء إلى النبي طالبا وصية جامعة مانعة تكفيه في أمر دينه وتغنيه عن سؤال غيره بعد ذلك.
وهذا يدل على رجاحة عقل هذا الصحابي وحرصه الشديد على معرفة أصول النجاة وقواعدها.
فالصحابة كانوا يتسابقون إلى الخيرات ويبحثون عن الكلمات التي تجمع لهم أبواب الفلاح.
وقوله لا أسأل عنه أحدا غيرك لا يعني تحريم السؤال على من دونه من أهل العلم والفضل أبدا.
بل هو تعبير يقصد به استيفاء المعنى وطلب النهاية في الوضوح والكمال من المعلم الأول.
وهذا الأسلوب يجعل المسؤول يهتم غاية الاهتمام بإعطاء إجابة شافية وافية ترضي السائل.
فأجابه النبي بكلمتين عظيمتين جمعتا الدين كله في أوجز عبارة وأدق دلالة وأعمق معنى.
قال له النبي قل آمنت بالله ثم استقم، وهاتان الكلمتان هما محور رسالة الإسلام الخالدة.
فالإيمان بالله محله القلب، وهو يتضمن الإقرار بوحدانيته في ربوبيته وألوهيته وأسمائه.
والاستقامة محلها الجوارح، وتعني السير على الصراط المستقيم دون انحراف أو اعوجاج.
وبهاتين الكلمتين يتحقق شرطا قبول الأعمال وهما الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله تماما.
فالإيمان يضمن الإخلاص وتجريد القصد للخالق، والاستقامة تضمن صحة العمل وموافقته للشرع.
وقد أوتي النبي جوامع الكلم، حيث يختصر المعاني الطوال في ألفاظ يسيرة سهلة الحفظ.
وهذا التوجيه النبوي يوافق صريح القرآن في قوله تعالى إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا.
فالاستقامة هي الثمرة الطبيعية للإيمان الصادق الذي يستقر في القلب ويصدقه العمل المخلص.
ويجب الانتباه إلى التعبير النبوي بكلمة الاستقامة، فهو التعبير الشرعي الأدق والأكمل.
فالناس اليوم يطلقون على المتمسك بدينه كلمة ملتزم، والصواب أن يقال عنه إنه مستقيم.
لأن الالتزام قد يكون بشيء محدد، بينما الاستقامة تعني الاعتدال في كل شؤون الدين والدنيا.
ومن قصر في أداء الواجبات أو وقع في المحرمات، فقد أخل باستقامته وانحرف عن الجادة.
ويكون مقدار انحرافه متناسبا مع حجم تقصيره في الأوامر وتجرئه على ارتكاب المناهي والذنوب.
فمن أضاع الصلاة وأخرها عن وقتها فهو غير مستقيم، ومن بخل بالزكاة فهو غير مستقيم.
ومن ظلم الناس في أعراضهم أو غشهم في بيعهم وشرائهم فقد فارق الاستقامة المطلوبة شرعا.
لذا يجب على المسلم أن يتفقد نفسه دائما، ويزن أعماله بهذا الميزان الدقيق الحساس.
فإن وجد نفسه على استقامة، حمد الله تعالى على توفيقه، وسأله الثبات على هذا الدرب.
وإن وجد في نفسه اعوجاجا أو تقصيرا، بادر إلى إصلاح الخلل وتقويم المسار قبل فوات الأوان.
فالاستقامة ليست ادعاء باللسان، بل هي مجاهدة مستمرة للنفس الأمارة بالسوء والهوى المضل.
وتتطلب يقظة دائمة لمحاسبة الذات على كل قول أو فعل يخالف هدي الكتاب والسنة المطهرة.
وقد أمر الله نبيه والمؤمنين بالاستقامة ونهاهم عن الطغيان ومجاوزة الحدود في آيات كثيرة.
فالاستقامة هي طريق الكرامة، ومن رزقها فقد أوتي خيرا كثيرا وفاز برضوان ربه وجنته.
ولا تتحقق الاستقامة التامة إلا بسلامة المعتقد من الشبهات، وسلامة الجوارح من الشهوات.
فمن حقق هذين المطلبين فقد استجاب لوصية النبي العظيمة، وكتب له الفلاح والنجاح الأبدي.
إن جمع النبي بين الإيمان والاستقامة يرد على طوائف كثيرة انحرفت في فهمها للدين الحنيف.
فيرد على المرجئة الذين يكتفون بتصديق القلب ويزعمون أن العمل لا يؤثر في كمال الإيمان.
فلو كان الأمر كذلك، لاكتفى النبي بقوله آمنت بالله ولم يضف إليها الأمر الواضح بالاستقامة.
ويرد على الخوارج الذين يغلبون جانب العمل ويكفرون بالذنوب دون النظر إلى أصل الإيمان.
فالمنهج الوسط هو منهج أهل السنة والجماعة الذي يربط بين عقيدة القلب وعمل الجوارح.
فلا إيمان بلا عمل يصدقه، ولا عمل يقبل بلا إيمان يصححه ويجعله خالصا لوجه الله تعالى.
وهذا التوازن هو سر قوة الشخصية الإسلامية التي تعمر الأرض بالخير وترجو ثواب الآخرة.
فالمسلم المستقيم شعلة من النشاط الإيجابي المنضبط بضوابط الشريعة الغراء في كل خطوة.
ومن لطائف هذا الحديث أن النبي استخدم حرف العطف ثم الذي يفيد الترتيب والتراخي عادة.
ليدل على أن الإيمان هو الأساس الذي يبنى عليه صرح الاستقامة، فلا استقامة بلا إيمان حق.
وأن الاستقامة هي مرحلة لاحقة ومستمرة تتطلب ديمومة وثباتا على مر الأيام والسنين المتعاقبة.
فالعبد يؤمن أولا، ثم يشرع في ترويض نفسه على الطاعات، وتستمر هذه المجاهدة حتى مماته.
وهذا يبعث الأمل في النفس، فكلما تعثر الإنسان في طريق الاستقامة، جدد إيمانه ونهض من جديد.
فباب التوبة مفتوح، والرجوع إلى الحق فضيلة، والرب رحيم يقبل توبة التائبين المنيبين إليه.
ولذلك كان من دعاء الصالحين دائما سؤال الله الهداية للصراط المستقيم والثبات عليه دائما.
لأن القلوب تتقلب، والفتن تتخطف الناس، ولا عاصم من الزلل إلا توفيق الله ورحمته الواسعة.
إن الاستقامة تشمل جميع جوانب الحياة، فلا تقتصر على المسجد أو شعائر العبادة المحضة فقط.
بل تمتد لتشمل استقامة اللسان بترك الكذب والغيبة، واستقامة العين بغض البصر عن المحرمات.
واستقامة البطن بتجنب أكل المال الحرام، واستقامة القدم بالمشي إلى ميادين الخير والصلاح.
فكل جارحة من جوارح الإنسان مطالبة بالاستقامة على أمر الله، وأداء وظيفتها التي خلقت لها.
وإذا استقامت الجوارح، استقامت حياة الفرد، وبصلاحه يصلح المجتمع وتتنزل عليه البركات.
فالمجتمع الذي تسوده الاستقامة مجتمع آمن مطمئن، لا يظلم فيه أحد، ولا تضيع فيه الحقوق.
وهذه هي الثمرة المرجوة من تطبيق هذه الوصية النبوية الخالدة التي جمعت أصول الفضائل.
فما أحوج الأمة اليوم إلى استعادة مفهوم الاستقامة الشامل لتنهض من كبوتها وتستعيد مجدها.
وختاما فإن هذا الحديث يمثل منهجا تربويا متكاملا في بناء الشخصية السوية المستقرة المطمئنة.
فالوضوح في الهدف المتمثل في الإيمان بالله، يعطي الإنسان دافعا قويا لمواجهة تحديات الحياة.
والمسار المحدد المتمثل في الاستقامة، يحميه من التخبط والضياع في دروب الأهواء والبدع.
فليس هناك أعظم من أن يعيش الإنسان حياته على بصيرة من أمره، يعلم غايته وطريقه بوضوح.
وهذا ما حققه الصحابة الكرام حين تلقوا هذه الوصايا وعملوا بها، فصاروا سادة الدنيا وقادتها.
نسأل الله العلي القدير أن يرزقنا الإيمان الصادق، وأن يمن علينا بالاستقامة على دينه المتين.
وأن يثبت قلوبنا على طاعته، وأن يختم بالصالحات أعمالنا، وأن يجعلنا من ورثة جنة النعيم.
وأن يقينا شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، إنه سميع مجيب الدعوات ورب الأرض والسموات.