جارٍ التحميل...

جارٍ التحميل...
تروي هذا الحديث العظيم أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما وعن أبيها.
وقد كنيت بأم عبد الله، والكنية بأم المؤمنين تشريف لجميع زوجات النبي صلى الله عليه وسلم.
واختلف في سبب كنيتها بأم عبد الله، فقيل ولد لها سقط لم يعش، وقيل لم يولد لها أبدا.
وإنما تكنت بأحب الأسماء إلى الله عز وجل كما أرشد إلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في سنته.
وهي من أفقه نساء الأمة، روت علما كثيرا وفقها غزيرا وتلقى عنها كبار الصحابة والتابعين.
وقوله من أحدث شرطية، وجواب الشرط فهو رد، واقترن الجواب بالفاء لأنه جاء جملة اسمية.
وكلمة رد هنا مصدر بمعنى اسم المفعول، أي فهو مردود على صاحبه كائنا من كان بلا قبول.
كما تأتي المصادر بمعنى المفعول في لغة العرب، كقوله تعالى وإن كن أولات حمل أي محمول.
ومعنى قوله من أحدث أي أوجد وأنشأ شيئا جديدا لم يكن موجودا في عهد النبوة والرسالة.
وقوله في أمرنا أي في ديننا وشريعتنا التي كملت ولا تحتاج إلى زيادة من أحد مهما بلغ علمه.
وقوله ما ليس منه أي ما لم يشرعه الله ورسوله، ولم يدل عليه دليل من كتاب ولا سنة صحيحة.
فهذا العمل الباطل مردود على صاحبه حتى وإن صدر عن إخلاص وحسن نية ورقة في القلب.
لأن حسن النية لا يصحح العمل الفاسد، بل لابد من موافقته للشرع المطهر ليكون عملا صالحا.
وفي الرواية الأخرى لمسلم من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد، وهذه الرواية أعم وأشمل.
لأنها تشمل من أحدث البدعة بنفسه، وتشمل من قلد غيره وعمل ببدعة أحدثها سلفه ومتبوعوه.
فهذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام، وقاعدة كبرى في رد البدع والمحدثات الباطلة.
وقد اتفق علماء الإسلام قاطبة على أن العبادة لا تصح ولا تقبل إلا إذا جمعت شرطين أساسيين.
الشرط الأول هو الإخلاص لله عز وجل، وهو مأخوذ من حديث إنما الأعمال بالنيات المتقدم.
والشرط الثاني هو المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مأخوذ من هذا الحديث العظيم.
وليعلم المسلم أن المتابعة للرسول لا تتحقق في أي عبادة إلا إذا وافقت الشريعة في أمور ستة.
الأول أن توافقها في السبب، فلو فعل الإنسان عبادة مشروعة لسبب لم يجعله الشرع سببا بطلت.
كمن يصلي ركعتين كلما دخل بيته ويتخذها سنة دائمة، أو يحدث احتفالا لانتصار المسلمين في بدر.
فأصل الصلاة والفرح مشروع، لكن ربطها بهذا السبب المعين يجعلها بدعة مردودة لا تقبل.
لأن الله ورسوله لم يجعلا هذا الحدث سببا لهذه العبادة، فيجب الوقوف عند حدود الشريعة.
الثاني أن توافق الشريعة في الجنس، فلو تقرب إلى الله بعبادة من غير الجنس المشروع لم تقبل.
كمن يضحي بفرس في عيد الأضحى، فهذا العمل مردود لأن الأضاحي خصت ببهيمة الأنعام فقط.
وهي الإبل والبقر والغنم، أما لو ذبح فرسا ليتصدق بلحمها جاز لأنه لم يذبحها بنية التضحية.
الثالث أن توافق الشريعة في القدر والعدد، فلو زاد في العبادة المؤقتة بعدد معين بطلت الزيادة.
كمن يغسل أعضاءه في الوضوء أربع مرات بدلا من ثلاث، فالغسلة الرابعة بدعة وتعد وظلم ومردودة.
وكذلك من يصلي الظهر خمس ركعات متعمدا، فصلاته كلها باطلة لمخالفتها القدر المشروع.
فالزيادة في الدين كالنقصان منه، كلاهما افتيات على حق المشرع الحكيم وتجاوز للحدود.
لذا وجب الالتزام بالأعداد المقدرة في الصلوات والأذكار والطواف دون زيادة أو نقصان متعمد.
الرابع أن توافق الشريعة في الكيفية والهيئة، فلو خالف صفة العبادة بطلت ولم تقبل منه.
كمن يسجد في صلاته قبل أن يركع، أو من يتوضأ منكسا فيغسل رجليه قبل أن يغسل وجهه.
الخامس أن توافق الشريعة في الزمان المخصص لها، فلو قدمها أو أخرها لغير عذر لم تقبل.
كمن يصلي الصلاة قبل دخول وقتها، أو يذبح أضحيته قبل أن يصلي صلاة العيد، فعمله باطل.
السادس أن توافق الشريعة في المكان المخصص، فبعض العبادات لا تصح إلا في أماكن محددة.
فلو اعتكف الرجل في بيته أو في مدرسته لم يصح اعتكافه، لأن محل الاعتكاف هو المساجد.
وكذلك لو وقف الحاج في غير صعيد عرفات في اليوم التاسع، لم يصح حجه وبطل نسكه.
فهذه الأصول الستة ميزان دقيق توزن به الأعمال، ليعرف بها ما وافق السنة مما خالفها.
وتنطبق هذه القاعدة النبوية على المعاملات والعقود، فما خالف الشرع منها فهو باطل ومردود.
فمن باع أو اشترى بعد النداء الثاني من يوم الجمعة وهو ممن تجب عليه الصلاة فعقده باطل.
ويجب فسخ هذا البيع ورد الثمن للمشتري والسلعة للبائع، لأنه تصرف يخالف نهي الله ورسوله.
ومن تزوج امرأة بغير ولي شرعي فنكاحه باطل ومردود، لقوله صلى الله عليه وسلم لا نكاح إلا بولي.
وكذلك من طلق امرأته وهي حائض، فقد اختلف العلماء في وقوعه، والجمهور على أنه طلاق واقع.
وقد أنكر الإمام أحمد القول بعدم وقوعه وسماه قول سوء، لأنه تهاون في أحكام الفروج والطلاق.
ومن باع أوقية من الذهب بأوقية ونصف فهذا بيع ربوي باطل ومردود لمخالفته النص الصريح.
فكل عقد تضمن محذورا شرعيا يقتضي البطلان فإنه لا ينعقد ولا يترتب عليه أي أثر شرعي صحيح.
وهناك فرق دقيق بين النهي الذي يعود لذات العبادة، والنهي الذي يعود لأمر خارج منفصل عنها.
فإذا عاد النهي لذات العبادة بطلت، كمن صام يوم العيد، فصومه باطل لأن النهي منصب على الصوم.
أما إذا عاد النهي لأمر خارج فالعبادة صحيحة مع الإثم، كمن صلى مرتديا ثوبا حريريا أو مغصوبا.
فصلاته صحيحة تبرأ بها ذمته عند جمهور العلماء، لكنه يأثم إثما عظيما بغصبه أو بلبسه للحرير.
لأن النهي هنا لم يتوجه إلى الصلاة نفسها، بل توجه إلى الغصب والظلم، وهو محرم في كل حال.
وكذلك من توضأ بماء مغصوب فوضوؤه يرفع الحدث، ولكنه آثم بفعله وتعديه على أموال غيره.
ومن حج راكبا سيارة مغصوبة فحجه صحيح مجزئ، وعليه إثم الغصب ورد المظالم لأهلها.
وهذا التفصيل يحل إشكالات كثيرة، ويوازن بين حق الله في صحة العبادة، وتحريم الاعتداء على الخلق.
ومن الفوائد العظيمة المستنبطة من هذا الحديث تقعيد قاعدة كلية تفرق بين العبادات والعادات.
فالأصل في العبادات كلها المنع والتوقف والحظر، فلا يشرع منها شيء إلا بدليل صحيح صريح.
فمن ادعى مشروعية عبادة طولب بالدليل، فإن عجز فالأصل الرد عملا بحديث فهو رد.
أما الأصل في المعاملات والأعيان والعادات فهو الإباحة والحل، ولا يحرم منها شيء إلا بدليل.
فمن ادعى تحريم طعام أو لباس أو عقد تجاري طولب بالدليل، فإن عجز فالأصل البقاء على الإباحة.
لقوله تعالى هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا، وهذا من يسر الشريعة وسعتها ومرونتها.
وبهاتين القاعدتين يستقيم فهم المسلم لدينه، فلا يبتدع في العبادات ما لم يأذن به المشرع الحكيم.
ولا يضيق على الناس في عاداتهم ومعاملاتهم ومطاعمهم ما دامت خالية من المفاسد والمحرمات.