جارٍ التحميل...

جارٍ التحميل...
يروي هذا الحديث الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو من المكثرين لرواية الحديث النبوي.
وقد تميز بكتابته للأحاديث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، حتى كان أبو هريرة يغبطه على هذا التدوين.
ويقرر هذا الحديث قاعدة أساسية من قواعد الإيمان، وهي وجوب الانقياد التام لما جاء به الرسول الكريم.
فقوله لا يؤمن أحدكم، هو نفي لكمال الإيمان الواجب، وليس نفيا لأصل الإيمان المخرج من ملة الإسلام.
فلا يصدق نفي أصل الإيمان في كل مسألة خالف فيها الإنسان هواه، إلا إن وصل للمخالفة العقدية الكبرى.
أما في المعاصي والمخالفات العملية، فإن مرتكبها يعتبر ناقص الإيمان، ولا يكفر كفرا مخرجا من دائرة الإسلام.
وقوله حتى يكون هواه، الهوى هو الاتجاه والقصد والميل النفسي الذي يدفع الإنسان لاتخاذ قراراته ومواقفه.
وقوله تبعا لما جئت به، أي خاضعا ومنقادا لشريعة الإسلام وما أوحاه الله إلى نبيه من الأوامر والنواهي.
وهذا الحديث يوجه ضربة قاصمة لكل محاولة لتحكيم العقل المجرد أو العادات والتقاليد وتقديمها على الشرع.
فلا يجوز للمسلم أن يجعل عقله متبوعا والنصوص تابعة له، بل العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح أبدا.
والواجب على المسلم إذا عرضت له مسألة أن يستدل أولا بالنصوص، ثم يستخرج الحكم بناء على هذه الأدلة.
أما أن يقرر حكما بهواه وميوله، ثم يبحث عن نصوص يلوي أعناقها لتوافق رأيه، فهذا من أعظم المصائب.
وقد ابتلي بهذا المسلك المنحرف بعض المتعصبين للمذاهب والأفكار، حيث جعلوا الشريعة تابعة لأهوائهم الفاسدة.
وهذا يفسد الدين ويحرف معانيه، ويجعل الإنسان يعبد هواه من حيث لا يشعر، مبتعدا عن الصراط المستقيم.
فالمؤمن الحق هو الذي يتهم رأيه إذا خالف النص، ويسلم تسليما مطلقا لأحكام الله ولو خالفت رغباته الدنيوية.
لأن الله أعلم بما يصلح عباده في معاشهم ومعادهم، وما شرع حكما إلا لحكمة بالغة قد تخفى على العقول البشرية.
ويستفاد من هذا الحديث أن الهوى ينقسم في أصله إلى قسمين، هوى محمود وهوى مذموم بحسب متعلقه وغايته.
فالهوى المحمود هو الذي يوافق الشريعة، بأن يميل قلب العبد لمحبة الطاعات وكراهية المعاصي والمنكرات.
والهوى المذموم هو الذي يخالف ما جاء به الرسول، ويميل للشهوات المحرمة والشبهات المردية والبدع المحدثة.
ولكن الغالب في استعمال كلمة الهوى في القرآن والسنة إطلاقها على الجانب المذموم الذي يصد عن سبيل الله.
كما في قوله تعالى أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم، فجعل اتباع الهوى في منزلة الشرك والضلال.
فمن استطاع أن يروض هواه ليكون خادما لدينه، فقد حقق الغاية من هذا الحديث، وارتقى في مدارج الإيمان.
وكمال الإيمان يتفاوت بين الناس، فكلما زاد انقياد العبد للشريعة، زاد إيمانه وتألق، وهذا مذهب أهل السنة.
فالإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية واتباع الهوى المخالف، فهو ليس شيئا ثابتا جامدا لا يتغير في القلوب.
إن شمولية الشريعة الإسلامية تتجلى في هذا الحديث، فالنبي جاء بكل ما يصلح الخلق ويهديهم لسبيل الرشاد.
كما قال تعالى ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء، فما من حاجة دينية أو دنيوية إلا وفي الشرع هداية لها.
إما بيانا واضحا جليا يفهمه العام والخاص، وإما بيانا دقيقا يستنبطه الراسخون في العلم بقواعد الاستدلال.
فمن زعم أن في الشريعة نقصا يحتاج لترقيع من القوانين الوضعية والأهواء البشرية فقد افترى إثما وظلما مبينا.
ويجب أن يغرس هذا المفهوم في نفوس الناشئة، ليفتخروا بدينهم، ويستقوا منه الحلول لمشكلاتهم المعاصرة.
أما بخصوص إسناد هذا الحديث، فقد تعقبه الحافظ ابن رجب مبينا بعض العلل وضعف إسناده في ميزان المحدثين.
ولكنه قرر أن معناه صحيح وثابت بنصوص القرآن والسنة القطعية، فلا يضر ضعف سنده مع صحة متنه ومضمونه.
نسأل الله أن يجعل أهواءنا تبعا لما جاء به نبيه، وأن يقينا شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، إنه سميع قريب مجيب.