جارٍ التحميل...

جارٍ التحميل...
عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله.
قوله أمرت، مبني لما لم يسم فاعله، لأن الفاعل معلوم يقينا وهو الله عز وجل الآمر الناهي.
وإبهام المعلوم سائغ في اللغة العربية، سواء في الأمور الكونية كقوله وخلق الإنسان ضعيفا.
أو في الأمور الشرعية كهذا الحديث، وكقوله أمرنا أن نسجد على سبعة أعظم، فالآمر هو الله.
والأمر في اللغة هو طلب الفعل على وجه الاستعلاء، أي أن الآمر أعلى منزلة من المأمور.
وقوله أن أقاتل الناس، المقاتلة تختلف عن القتل، فالمقاتلة هي السعي في الجهاد لإعلاء كلمة الله.
والقتل هو إزهاق روح شخص بعينه، وليس كل من جازت مقاتلته جاز قتله، فالقتل أضيق.
فقد نقاتل البغاة من المسلمين للإصلاح كما أمر القرآن، ولكن لا نقتلهم أو نجهز على جريحهم.
وقوله حتى يشهدوا، أداة حتى هنا للغاية، أي أقاتلهم إلى أن يشهدوا وينطقوا بالتوحيد.
وقد تأتي حتى للتعليل في اللغة، لكن الغاية هنا أظهر وأقرب لسياق الحديث ومعناه المقصود.
والشهادة المطلوبة تكون باللسان والقلب، ولكن في أحكام الدنيا من نطق بلسانه عصم دمه.
ووكلت سريرته إلى الله، فلا ننقب عن القلوب لنتهم الناس بأنهم أسلموا خوفا من السيف.
وقوله أن لا إله إلا الله، معناها لا معبود بحق إلا الله، وما سواه فعبادته باطلة وشرك.
فلا يكفي إثبات الألوهية لله فقط، بل لابد من نفيها عما سواه لتحقيق التوحيد الخالص.
وقوله وأن محمدا رسول الله، صرح باسمه ولم يقل وأني رسول الله، لزيادة التفخيم والتعظيم.
وشهادته تستلزم تجريد المتابعة له، وتصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه.
ولا ترتفع المقاتلة عن طائفة تقر بالشهادة الأولى وترفض الثانية، بل لابد من الإقرار بالشهادتين معا.
وقوله ويقيموا الصلاة، أي يفعلوها تامة الأركان والشروط على الوجه القويم الذي جاءت به الشريعة.
والمراد بالصلاة هنا الصلوات الخمس المفروضة، فلو تركوا النوافل والسنن لم يقاتلوا على تركها.
بل يقاتل أهل بلد إذا تركوا الأذان والإقامة وإن صلوا، لأنهما من شعائر الإسلام الظاهرة العظيمة.
ولهذا كان النبي إذا غزا قوما انتظر للصباح، فإن سمع أذانا كف عنهم، وإلا باغتهم بالقتال.
وكذلك صلاة العيدين عند بعض الفقهاء، يقاتل تاركوها لأنها من الشعائر الكبرى وإن لم تكن فرضا.
وقوله ويؤتوا الزكاة، أي يدفعوها لمستحقيها الشرعيين، وهي النصيب المفروض في الأموال الزكوية.
كرُبع العشر في الذهب والفضة، ونصف العشر أو العشر في الزروع، بحسب تفصيل الشريعة لها.
قوله فإذا فعلوا ذلك، أي أقروا بالشهادتين وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، والتعبير بالفعل يشمل القول.
عصموا مني دماءهم وأموالهم، أي منعوها وصارت محرمة لا يحل استباحتها أو اغتنام أموالهم.
لأنهم دخلوا في حياض الإسلام وصاروا إخوة لنا، لهم ما لنا وعليهم ما علينا من الحقوق والواجبات.
قوله إلا بحق الإسلام، هذا استثناء عام، أي إلا أن يرتكبوا موجبا يحل دماءهم بحق شرعي.
كزنا الثيب المحصن، أو قتل النفس العمد العدوان فيقتص منه، أو الردة عن الإسلام ومفارقة الجماعة.
فدماء الكفار والمشركين المحاربين مباحة، وأموالهم غنيمة للمسلمين، وهذا مما اختص به نبينا.
أما الكافر المعاهد والمستأمن والذمي فدماؤهم معصومة محرمة بعهد الإسلام وأمانه وعقده.
فالحديث يضع دستورا للتعامل مع المخالفين، ويبين متى تعصم الدماء ومتى تستباح بالحق والعدل.
وقوله وحسابهم على الله تعالى، أي أن محاسبة العباد على بواطن أعمالهم وسرائرهم مردها إلى الله.
فليس على الرسول أو على الدعاة من بعده إلا البلاغ المبين، وقبول الظاهر من الناس في الدنيا.
وهذا توجيه كريم يريح قلب الداعية، فلا يحزن إذا لم تقبل دعوته أو كذبه الناس وعاندوه.
فإذا أديت ما يجب عليك من البيان والنصح فقد برئت ذمتك، والحساب ختاما على رب الأرباب.
ولنا في قصة موسى مع السحرة أسوة، فقد ألقوا حبالهم حتى خاف موسى من سحرهم العظيم.
لكنه ألقى عليهم كلمة حق واحدة موقنة: ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب.
فأثرت هذه الكلمات القليلة في قلوبهم فورا، فتنازعوا أمرهم وأسروا النجوى، ثم أسلموا وسجدوا.
فكلمة الحق متى ما خرجت خالصة لوجه الله فلابد أن تؤثر في القلوب، سواء عاجلا أو آجلا.
ومن فوائد الحديث أن الأمر بالقتال هنا للوجوب وليس للاستحباب، لأن القتال فيه استباحة محرمات.
واستباحة المحرم كالدماء والأموال لا تكون إلا لإقامة واجب شرعي عظيم كحفظ الدين ونشره.
ولهذا استدل الفقهاء على وجوب الختان بأنه قطع عضو محترم، ولا يستباح المحرم إلا لواجب.
والجهاد في الإسلام قد يكون فرض كفاية وقد يتعين فيصبح فرض عين في حالات مخصوصة.
ولا يمكن أن يكون الجهاد فرض عين على جميع الأمة في كل وقت، لقوله وما كان المؤمنون لينفروا كافة.
فلابد أن تبقى طائفة تتفقه في الدين وتنذر قومها، لحفظ الشريعة ونشر العلم بين صفوف الأمة.
والحديث يدل بوضوح على أن تارك الصلاة لا يعصم دمه، بل يقاتل حتى يقيمها ويذعن لله.
وهذا يعضد القول بكفر تارك الصلاة تهاونا وكسلا، وهو القول المدعم بالأدلة الصحيحة الصريحة.
وفي الحديث إشارة إلى أن من شهد أن لا إله إلا الله ولم يشهد لمحمد بالرسالة فهو كافر مقاتل.
لأن الدين لا يكتمل إلا بهاتين الشهادتين المتلازمتين، فلا ينفع إيمان بالله مع كفر برسوله.
وكذلك إيتاء الزكاة لابد أن يكون لمستحقيها الثمانية المذكورين في سورة التوبة حصرا وتحديدا.
فلو أعطاها الغني لقريب غني محاباة لم تجزئه ولم تسقط عنه الفريضة، ووجب عليه إخراجها ثانية.
وقد ناقش الصحابة أبا بكر في قتال مانعي الزكاة، فاحتج عليهم بأن الزكاة حق المال الثابت شرعا.
وقال مقولته الشهيرة: والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم على منعه.
فأجمع الصحابة بعد ذلك على قتال مانعي الزكاة، وصار إجماعا عمليا يحفظ أركان الإسلام من التلاعب.
وهذا يدل على دقة فهم أبي بكر وحزمه في حماية الدين من أن ينتقص منه ركن وهو حي.
ويستفاد من إطلاق الفعل على الشهادتين أن القول يعتبر عملا وفعلا في ميزان الشريعة الإسلامية.
فاللسان يتحرك والكلمات تخرج، وهذا كله من كسب العبد وعمله الذي يحاسب ويجازى عليه.
ولذلك جعل الله الإيمان قولا باللسان وعملا بالجوارح واعتقادا بالقلب، لا ينفك بعضها عن بعض.
وبهذا الحديث العظيم يتحدد مسار الدعوة الإسلامية والجهاد في سبيل الله لرفع الظلم والشرك.
لتكون كلمة الله هي العليا، وليعبد الله وحده لا شريك له في الأرض، وهذا غاية ما خلق له الخلق.
وكل من نطق بالشهادتين والتزم شرائع الإسلام الظاهرة فقد دخل في عهد الله وذمة المسلمين.
لا يجوز التعدي عليه أو الانتقاص من حقوقه، بل يعامل كأخ في الدين له كامل الاحترام والتقدير.
وهذا من أعظم ما يحفظ حقوق الإنسان ويبني مجتمعا آمنا متماسكا تحت راية الإسلام الخالدة.