جارٍ التحميل...

جارٍ التحميل...
عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم سؤالا عظيما يدل على علو همته وصدق إيمانه ويقينه.
قال يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، وهذا هو المطلب الأسمى والغاية القصوى لكل مسلم عاقل.
فالجنة هي مستقر الرحمة والرضوان، والنار هي دار البوار والخسران، والنجاة من هذه والفوز بتلك هي الفوز الحقيقي الأبدي.
فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم هذا السؤال الجامع، أثنى على معاذ وقال لقد سألت عن عظيم، أي أمر جليل الشأن.
ثم طمأنه وبشره فقال وإنه ليسير على من يسره الله عليه، وهذا توجيه مهم يربط العبد بربه في كل خطواته وطاعاته الخالصة.
فالطاعات مهما بدت شاقة فهي سهلة يسيرة لمن وفقه الله وأعانه وشرح صدره لها، ومستحيلة على من خذله الله ووكله لنفسه.
فالعبد لا يستغني عن عون الله طرفة عين، ولذلك نقرأ في كل ركعة إياك نعبد وإياك نستعين، اعترافا بالفقر وطلبا للتوفيق.
ثم بدأ النبي يفصل له هذا العمل العظيم، فبدأ بأصول الدين وأركانه الخمسة التي لا يقوم الإسلام إلا بها ولا يصح إيمان بدونها.
فقال تعبد الله لا تشرك به شيئا، وهذا هو التوحيد الخالص الذي بعث الله به جميع الرسل، وهو أصل قبول جميع الأعمال الصالحة.
فالشرك محبط للأعمال، ومن أشرك بالله شيئا فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار، والعبادة تشمل كمال المحبة وكمال التذلل.
ثم قال وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت، وهذه هي الأركان العملية التي تمثل قواعد البناء الإسلامي.
فمن حافظ عليها فقد أدى ما افترضه الله عليه، وحقق الشرط الأساسي لدخول الجنة كما ورد في أحاديث أخرى صريحة واضحة.
ولم يكتف النبي صلى الله عليه وسلم ببيان الفرائض، بل أراد أن يرتقي بمعاذ إلى مقامات الإحسان والنوافل ليزداد رفعة وأجرا.
فقال ألا أدلك على أبواب الخير؟ وهذا أسلوب تشويق يثير انتباه السامع ليتقبل النصيحة بلهفة وشوق وتطلع للعمل والمثابرة.
فبدأ بالصوم فقال الصوم جنة، أي وقاية وستر للمسلم، يقيه في الدنيا من الوقوع في المعاصي والشهوات بكسر حدة النفس.
ويقيه في الآخرة من عذاب النار وحرها، فالصيام يربي الإرادة ويعلم الصبر والمراقبة، وهو سر بين العبد وربه لا يراه غيره.
ثم قال والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وهذا تشبيه بليغ يجسد أثر الصدقة في محو الذنوب وغسل السيئات.
فالماء إذا صب على النار أطفأها وأنهى لهيبها، وكذلك الصدقة الخالصة التي تخرج من مال حلال تطفئ غضب الرب وتمحو الزلة.
فما أحرى المسلم المذنب أن يكثر من الصدقات السرية والعلنية ليتدارك ما فرط منه، ويطهر صحيفته من دنس الخطايا المتراكمة.
ثم ذكر الباب الثالث من أبواب الخير فقال وصلاة الرجل في جوف الليل، أي قيام الليل والناس نيام غافلون مستغرقون في راحتهم.
ثم تلا قوله تعالى تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون، دليلا على فضل هذه العبادة الجليلة.
فصلاة الليل هي دأب الصالحين، ومناجاة المحبين، فيها تخلو الروح بخالقها، وتبثه شكواها وحاجتها، فتنال السكينة والقرب والمغفرة.
وهذه الأبواب الثلاثة (الصوم، الصدقة، قيام الليل) هي من أعظم النوافل التي تجبر كسر الفرائض وترفع العبد لمنازل الأولياء والمقربين.
فمن داوم عليها أحبه الله، وصار سمعه وبصره ويده، وأجابه إذا دعاه، وأعاذه إذا استعاذ، كما ورد في الحديث القدسي المشهور.
ثم أراد النبي أن يبين لمعاذ هيكل هذا الدين العظيم وصورته المتكاملة، فقال ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟
فأجابه معاذ بلى يا رسول الله، فقال رأس الأمر الإسلام، أي الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك.
فالإسلام هو الرأس، وكما أن الجسد لا يحيا بلا رأس، فكذلك لا حياة للإنسان ولا قيمة لعمله إذا فقد رأس الإسلام والتوحيد.
وعموده الصلاة، والعمود هو الدعامة التي يرتكز عليها البناء الخيمة، فإذا سقط العمود سقطت الخيمة وانهارت تماما على الأرض.
ولذلك كانت الصلاة هي عماد الدين، من أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين، وهي الحد الفاصل بين الإيمان والكفر.
وذروة سنامه الجهاد، وذروة السنام هي أعلى نقطة في ظهر الجمل، والجهاد هو الذي يرفع راية الإسلام ويحميه من أعدائه المتربصين.
فبالجهاد يعلو الدين ويظهر، وبتركه يذل المسلمون ويتسلط عليهم الأعداء، والجهاد يشمل جهاد الكفار والمنافقين والنفس والشيطان.
وهذا التشبيه البليغ يوضح لكل مسلم أهمية هذه المكونات الثلاثة، الرأس لبقاء الحياة، والعمود لقوة البناء، والذروة للرفعة والعزة.
وبعد أن بين له الأركان والنوافل والهيكل العام للدين، أراد أن يعطيه المفتاح السحري الذي يحفظ عليه كل هذه الأعمال ويصونها.
فقال ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ أي بالشيء الذي يملك عليك دينك ويحفظه من الضياع والتبدد بعد كل هذا الجهد والتعب والعمل.
فقلت بلى يا رسول الله، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بلسان نفسه وقال كف عليك هذا، أي احفظ لسانك ولا تطلقه فيما لا يفيد.
فتعجب معاذ من هذا الجواب المختصر الخطي، وقال يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ هل كل كلمة نقولها نحاسب عليها حقا؟
فأجابه النبي بأسلوب التنبيه والتعجب فقال ثكلتك أمك يا معاذ، وهذه الكلمة لا يقصد بها الدعاء عليه بالموت، بل هي جارية على ألسنة العرب.
وتقال لاستثارة انتباه السامع لأمر عظيم، ثم قال وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟
أي أن أكثر ما يدخل الناس النار هو ما يحصدونه من كلام ألسنتهم من الغيبة والنميمة والكذب والسب والشتم وقذف المحصنات الغافلات.
فاللسان عضو صغير الجرم، عظيم الجرم، وهو أسرع الجوارح حركة وأقلها تعبا، ولذلك يسهل على الإنسان إطلاق الكلام دون تفكير وحساب.
فكم من عبد بنى قصورا من الحسنات بصلاته وصيامه، ثم هدمها بكلمة واحدة من الغيبة أو النميمة أو الاستهزاء بالآخرين والانتقاص منهم.
فيأتي يوم القيامة مفلسا، توزع حسناته على من اغتابهم وظلمهم بلسانه، فإن فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار.
لذا كان حفظ اللسان هو الضمانة الحقيقية لبقاء الحسنات، وهو ملاك الأمر الذي وصى به النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل والمسلمين.
وينبغي على المسلم أن يتأمل في كلماته قبل أن يتفوه بها، فإذا كانت خيرا تكلم، وإذا كانت شرا أو لغوا سكت، فمن صمت نجا وسلم.
وإن وسائل التواصل الحديثة قد ضاعفت من خطر اللسان، حيث أصبحت الكلمة المكتوبة تصل للآلاف في لحظات، ويبقى أثرها السيء طويلا.
فالواجب أخذ الحيطة والحذر الشديد من كل حرف يكتب أو ينطق، لأن الملائكة تسجل ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيق حاضر ومستعد.
وهذا الحديث العظيم يمثل منهجا شاملا للنجاة، يوازن بين العبادات البدنية والمالية، ويضبط السلوك والأخلاق، ويحفظ الجوارح من الزلل.
نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يرزقنا الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، وأن يعيذنا من النار وما قرب إليها.