جارٍ التحميل...

جارٍ التحميل...
يبدأ هذا الحديث العظيم بذكر راويه وهو أمير المؤمنين أبو حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وقد آلت إليه الخلافة بتعيين أبي بكر الصديق، فخلافته شرعية ونصبه صحيح بإجماع الصحابة.
والعجب أن هذا الحديث لم يروه عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا عمر بن الخطاب وحده.
ولكن الأمة تلقت هذا الحديث بالقبول التام لأهميته، حتى صدر به الإمام البخاري صحيحه.
ومعنى الحديث ثابت وموجود في القرآن الكريم والسنة النبوية في مواضع تحث على ابتغاء وجه الله.
ومن الناحية اللغوية، فإن كلمة "الأعمال" جمع يشمل أعمال القلوب والنطق باللسان وأعمال الجوارح.
أما "النيات" فهي جمع نية، ومعناها شرعاً العزم على فعل العبادة تقرباً إلى الله تعالى وحده.
ومحل النية هو القلب فقط، فهي عمل قلبي خالص ولا تعلق لجوارح الإنسان أو لسانه بها.
ومن البلاغة النبوية استخدام كلمة "إنما" التي تفيد الحصر، أي إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه.
وهناك مسألة هامة حول الجملتين "إنما الأعمال بالنيات" و"إنما لكل امرئ ما نوى" وهل هما بمعنى واحد؟
الصواب عند العلماء أن الكلام من باب التأسيس لا التوكيد، فكل جملة لها معنى مستقل عن الأخرى.
فالجملة الأولى جاءت باعتبار المنوي وهو العمل نفسه، هل وقع بنية صحيحة أم لا.
والجملة الثانية جاءت باعتبار المنوي له، أي الغاية من العمل، هل عملت لله أم عملت للدنيا.
والمقصود الأساسي بالنية هو تمييز العادات عن العبادات، وتمييز العبادات بعضها عن بعض كالنفل والفرض.
فمن يأكل طعامه امتثالاً لأمر الله ليتقوى على طاعته ففعله عبادة، ومن يأكل لمجرد الشهوة ففعله عادة.
لذلك قال أهل العلم عبارة دقيقة: عبادات أهل الغفلة عادات، وعادات أهل اليقظة عبادات يؤجرون عليها.
ويجب أن يعلم المسلم أن التلفظ بالنية سراً أو جهراً يُعد من البدع التي لم ترد عن النبي.
فأنت تتعبد لمن يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ولا تحتاج أن تخبره بما تنوي فعله.
ولم يرد عن الصحابة إطلاقاً أنهم نطقوا بالنية، والقول في الحج "لبيك اللهم عمرة" هو إظهار لشعيرة النسك.
والناس يتفاوتون في النيات تفاوتاً عظيماً، فتجد رجلين يصليان وبينهما في الثواب كما بين السماء والأرض.
وتجد طالبين للعلم، أحدهما يدرس الفقه لينال منصباً وراتباً رفيعاً كالقضاء، والآخر ليكون عالماً يعلم الأمة.
فالأول بعيد عن الجنة لنيته الدنيوية، والثاني قريب منها لإخلاصه، وهذا مصداق "وإنما لكل امرئ ما نوى".
ثم ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً عملياً بالهجرة، وهي الانتقال من بلد الكفر إلى بلد الإسلام.
والهجرة واجبة على كل مؤمن لا يستطيع إظهار دينه، ومستحبة لمن يستطيع إظهار دينه ولا يمنعه أحد.
ومن كانت هجرته إلى الله ورسوله، يقصد بها وجه الله ونصرة دينه، فهجرته مقبولة ومثابة.
ويمكن للمسلم أن يهاجر إلى رسول الله بعد مماته، وذلك بالهجرة إلى سنته وتعلم شريعته والدفاع عنها.
ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها كالتجارة، أو امرأة يتزوجها، فليس له من الأجر شيء، بل له ما نوى.
ومن البلاغة النبوية أنه أخفى نية المهاجر للدنيا ولم يقل "إلى دنيا" بل قال "إلى ما هاجر إليه".
وهذا الإخفاء فيه تحقير وتصغير لشأن ما هاجر إليه هذا الرجل، وأنه لا يستحق حتى أن يُذكر.
وهذا الحديث يعتبر أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، وهو ميزان دقيق للأعمال الباطنة للعبد.
ويقابله حديث عائشة رضي الله عنها "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" كميزان للأعمال الظاهرة.
فلا يقبل العمل إلا باجتماع شرطين أساسيين: الإخلاص لله تعالى في الباطن، والمتابعة لرسول الله في الظاهر.
ومن فوائد الحديث ضرورة تعيين النية في العبادات المخصوصة كصلاة الظهر مثلاً لتمييزها عن العصر أو النافلة.
وإذا نوى المسلم فرض الوقت عند دخوله المسجد وهو في عجلة دون تحديد اسم الصلاة، فالصحيح أنه يجزئه.
وفي الحديث حث عظيم على الإخلاص لله عز وجل، فالإخلاص هو الركيزة التي خلق الله الناس من أجلها.
كما يبرز الحديث براعة النبي صلى الله عليه وسلم في حسن التعليم وتقسيم المسائل لتثبت في العقول.
حيث قسم الهجرة إلى هجرة شرعية محمودة، وهجرة دنيوية مذمومة، ليكون أسهل في الفهم والحفظ للمتعلم.
وفيه جواز قرن الرسول مع الله بحرف الواو في الأمور الشرعية، كقول "إلى الله ورسوله".
لأن طاعة الرسول وما جاء به من الشرع هو من طاعة الله، وهذا يختلف تماماً عن الأمور الكونية.
ففي الأمور الكونية ومشيئة الله لا يجوز قرن أحد مع الله بالواو، بل يقال "ما شاء الله ثم شئت".
ويُستفاد من هذا الشرح أن طلب العلم الشرعي بنية خالصة أفضل من الجهاد في سبيل الله في الأصل.
لأن الأمة كلها محتاجة إلى العلم والعلماء في كل وقت، بينما الجهاد قد لا يكون فرض عين دائماً.
ولكن قد يختلف الأفضل باختلاف الأشخاص والأزمان، فالشجاع القوي الأفضل له الجهاد، والذكي الأفضل له العلم.
وفي الأزمان التي تنتشر فيها البدع ويقل فيها العلماء، يكون طلب العلم لرد الشبهات هو الأفضل بلا منازع.
ويجب الانتباه إلى التحذير من الهجرة من بلاد الإسلام إلى بلاد الكفر لغير حاجة شرعية أو دنيوية ملحة.
أما الهجرة من بلاد يكثر فيها الفسق، فتجب إذا خاف المرء على نفسه، وتُستحب إن أمن الانزلاق في المعاصي.
وإذا كان بقاء الصالحين في تلك البلاد يُسهم في الإصلاح والأمر بالمعروف، فبقاؤهم يعتبر واجباً شرعياً.
ليكونوا مشاعل هداية تمنع انتشار الفساد، وهذا يعود بنا إلى النية الصالحة التي تحول العادات إلى طاعات.
لقد صدر الإمام البخاري رحمه الله صحيحه بهذا الحديث العظيم ليكون تنبيهاً لكل طالب علم بتصحيح نيته.
فكل عمل مهما عظم في ظاهره، إذا خلا من الإخلاص لله عز وجل، أصبح هباءً منثوراً لا قيمة له.
ومثال ذلك من يصلي صلاة تامة الأركان والشروط، ولكنه يفعل ذلك مراءاة للناس أو خوفاً من مخلوق.
فهذا العمل بالنظر إلى ظاهره صحيح، ولكن بالنظر إلى الباطن والنية هو عمل فاسد مردود على صاحبه.
ويعلمنا هذا الحديث أن نعالج قلوبنا باستمرار، وأن نتفقد نوايانا قبل الشروع في أي قول أو فعل أو ترك.
فالله سبحانه وتعالى لا ينظر إلى صورنا ولا إلى أجسامنا، ولكن ينظر إلى قلوبنا وأعمالنا ومدى إخلاصنا.
فطوبى لمن كانت هجرته وحركته وسكونه لله ورسوله، وويل لمن كانت أعماله للدنيا وزينتها الزائلة.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يجعل أعمالنا كلها صالحة ولوجهه خالصة.
وهكذا يتجلى لنا عمق الشريعة الإسلامية التي ربطت بين الظاهر والباطن في تناغم فريد لا مثيل له.
فلا يكفي أن تكون حركات الجوارح مستقيمة إذا كان القلب متوجهاً لغير الله، فالنية هي روح العمل.
وكلما زاد إخلاص العبد ويقينه، تضاعف أجره وثوابه عند ربه حتى في الأعمال المباحة والعادات اليومية.
وهذا يفتح باباً واسعاً من أبواب الخير للمسلمين، ليجمعوا الحسنات الكثيرة بأيسر الطرق من خلال تجديد النية.
فالنوم للتقوي على العبادة طاعة، والسعي لطلب الرزق لإعفاف النفس والأسرة طاعة يؤجر عليها الإنسان.
فما أعظم هذا الدين الذي جعل حياة المسلم كلها عبادة إذا صفت النية واستقامت الوجهة إلى خالق السماوات.
وختاماً، ينبغي لكل مسلم أن يجعل هذا الحديث نصب عينيه دائماً، يزنه به أعماله قبل أن توزن يوم القيامة.
وبهذا التأسيس العظيم ندرك سر اهتمام العلماء قديماً وحديثاً بهذا الحديث، واعتباره ثلث العلم وأحد دعائم الدين.