جارٍ التحميل...

جارٍ التحميل...
هذا الحديث يرويه ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى.
وهو من الأحاديث القدسية العظيمة التي تبين سعة فضل الله، وعظيم لطفه، وكمال عدله، وإحسانه لعباده المؤمنين.
يبدأ الحديث ببيان أن الله كتب الحسنات والسيئات، والكتابة هنا تشمل الكتابة القدرية في اللوح المحفوظ قبل خلق البشر.
وتشمل الكتابة الشرعية التي تسجل ثواب الأعمال وعقابها بناء على فضل الله وعدله الذي لا يظلم مثقال ذرة في الكون.
ثم فصل الله هذا المجمل فقال فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وهذا من واسع رحمته وفضله.
والهم هنا يعني العزم الصادق والإرادة الجازمة، وليس مجرد الخواطر العابرة أو حديث النفس الذي لا يؤاخذ عليه الإنسان.
فإذا نوى المسلم فعل طاعة وعزم عليها، ثم حالت بينه وبينها ظروف قاهرة، أو تركها لينشغل بطاعة أخرى أفضل وأعظم.
فإن الله يكتب له ثوابها كاملا، ووصفها بكاملة للتأكيد على شدة الاعتناء بها وعدم بخسها أو تقليل شأنها في الميزان.
فإن هم بهذه الحسنة فعملها فعلا، ضاعفها الله له مضاعفة واسعة، فكتبها عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
فالحد الأدنى لمضاعفة الحسنة هو عشر أمثالها، كما نص القرآن من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، وهذا وعد لا يتخلف.
وقد تزيد هذه المضاعفة إلى سبعمائة ضعف، أو إلى أضعاف لا يحصيها إلا الله، تبعا لعدة اعتبارات ومقاييس دقيقة.
فمن أسباب المضاعفة شرف الزمان، كالعمل الصالح في أيام عشر ذي الحجة أو ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر.
ومن أسبابها شرف المكان، كالصلاة في المسجد الحرام التي تعدل مائة ألف صلاة فيما سواه، أو المسجد النبوي الشريف.
ومن أسبابها شرف العمل نفسه، فالفرائض أحب إلى الله من النوافل، وأعظم ثوابا منها في ميزان الشريعة المطهرة.
ومن أسبابها شرف العامل وإخلاصه، فنفقة الصحابة لا يعادلها شيء، فلو أنفق أحدنا مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه.
فكلما زاد الإخلاص في القلب، وقويت المتابعة لهدي النبي، تضاعفت الأجور وتجاوزت الحسابات البشرية بفضل الله وكرمه.
وأما في جانب السيئات، فتتجلى رحمة الله بأبهى صورها، فقال وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة.
وهذا لمن هم بالسيئة ثم تركها خوفا من الله وخشية من عقابه، كما ورد في بعض الروايات إنما تركها من جرائي.
فمجاهدة النفس وكبح جماحها عن المعصية لله يعتبر عملا صالحا يثاب عليه العبد وتكتب له به حسنة كاملة المزايا.
أما إن هم بالسيئة ولم يعملها بسبب عجزه عنها مع سعيه في أسبابها وتخطيطه لها، فإنه يكتب عليه وزر الفاعل كاملا.
كالرجل الذي يأتي بسلم ليسرق، أو يحمل سيفه ليقتل، فيعجز عن ذلك لسبب قاهر، فهذا آثم وحسابه حساب الفاعل المجرم.
وقد أخبر النبي أن القاتل والمقتول في النار، لأن المقتول كان حريصا على قتل صاحبه، فنيته وعزمه أوردته المهالك.
وأما من هم بالسيئة ثم تركها لزوال رغبته فيها دون استحضار لخوف الله أو عجز مادي، فهذا لا له ولا عليه في ميزان الشرع.
فهو لم يتركها لله ليثاب، ولم يعملها ليعاقب، فتدل هذه التفاصيل على دقة الميزان الإلهي الذي يحاسب على النوايا والمقاصد.
فإن هم بالسيئة فعملها فعلا، كتبها الله سيئة واحدة فقط، لا تضاعف في مقدار إثمها كما تضاعف الحسنات في أجورها.
وهذا مصداق لقوله تعالى ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون، وهذا من كمال عدل الله ولطفه بعباده.
ولذلك قال بعض السلف متعجبا من سعة رحمة الله: ويل لمن غلبت آحاده عشراته، أي ويل لمن غلبت سيئاته المفردة حسناته المضاعفة.
فمن غلبت سيئاته بعد هذا الكرم الإلهي الواسع، فهو الهالك حقا الذي أصر على الغواية وأبى إلا العناد والتمرد على ربه.
ومع أن السيئة لا تضاعف عددا، إلا أنها قد تعظم كيفا ووزنا بحسب الزمان والمكان وشرف الفاعل وقبح المعصية نفسها.
فالسيئة في مكة المكرمة أو في الأشهر الحرم أشد إثما من غيرها، والسيئة من العالم القدوة أشنع من السيئة الصادرة من الجاهل.
ولكنها تبقى في سجلات الحفظة سيئة واحدة، لا تكتب عشر سيئات أبدا، تصديقا لوعد الله الذي لا يخلف الميعاد مطلقا.
وهذا الحديث يملأ قلب المؤمن بالرجاء، ويجعله يسارع إلى نية الخير وعزمه، لعلمه أنه مأجور على نيته الصالحة في كل حال.
إن تأمل هذا الحديث يورث في النفس حياء من الله عز وجل، الذي يعامل عباده بهذا اللطف والجود والكرم غير المحدود.
فالعبد يذنب ويقصر، والرب يغفر ويستر، والعبد يهم بالحسنة فلا يفعلها فيثيبه، ويهم بالسيئة فيتركها لله فيثيبه أيضا.
وهذا يوجب على المسلم أن يكثر من الطاعات، وأن يصدق في نواياه، وأن يحذر من الاستهانة بالسيئات مهما صغرت في عينه.
فإن السيئات إذا اجتمعت على العبد أهلكته، وربما حرمته من التوفيق للتوبة قبل الموت، فنعوذ بالله من سوء الخاتمة والخذلان.
كما أن الحديث يرد على من يظن أن الله يتربص بعباده ليعذبهم، بل الحقيقة أن رحمة الله سبقت غضبه، وأنه كتب على نفسه الرحمة.
وكل التشريعات والأحكام الإسلامية تدور حول جلب المصالح للعباد ودرء المفاسد عنهم في المعاش والمعاد على حد سواء.
فليجعل المسلم هذا الحديث نصب عينيه، ليتشجع على أعمال البر، وليجدد نيته في كل صباح ومساء ليحصد الأجور العظيمة.
نسأل الله أن يكتبنا في ديوان المحسنين، وأن يتقبل منا يسير العمل، وأن يتجاوز عن كثير الزلل، إنه هو الغفور الرحيم الودود.