جارٍ التحميل...

جارٍ التحميل...
يبدأ الحديث بعبارة حدثنا رسول الله، والتحديث والإخبار في لغة العرب بمعنى واحد متطابق.
وإن كان المتأخرون من علماء مصطلح الحديث يفرقون بين حدثنا وأخبرنا في طرق الرواية والتلقي.
وقد وصف ابن مسعود النبي بأنه الصادق المصدوق، وهذا الوصف تأكيد لرسالته وصدق نبوته.
فالصادق هو الصادق فيما أخبر به من عنده، والمصدوق هو الذي يأتيه الوحي الصادق من ربه.
وإنما ذكر ابن مسعود هذه الجملة المؤكدة لأن موضوع الحديث يتعلق بأمور الغيب المحضة.
ففي ذلك الوقت لم يكن الطب قد تقدم لمعرفة مراحل تكون الجنين وتطوره في بطون الأمهات.
وهناك ما هو أعظم وأجل من علم الطب، وهو كتابة الرزق والأجل والعمل والشقاء والسعادة.
فكان من فقه الصحابي الجليل أن يقدم بهذه المقدمة ليؤكد اليقين في القلوب ويطرد الشكوك.
يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الإنسان يجمع خلقه في بطن أمه من ماء الرجل وماء المرأة.
فيمكث أربعين يوما نطفة، والنطفة هي قطرة الماء المهين التي تستقر في رحم الأم بإذن الله.
ثم ينتقل ليكون علقة مثل ذلك، أي أربعين يوما أخرى، والانتقال لا يكون فجأة بل يتدرج.
فيتغير شيئا فشيئا حتى يصل إلى الغاية في الحمرة، والعلقة هي قطعة الدم الغليظة المتجمدة.
وسميت بذلك لأنها تشبه الدودة المعروفة التي تعيش في المياه الراكدة وتعلق بما تمر به.
ثم يكون مضغة مثل ذلك، أي أربعين يوما ثالثة، والمضغة هي قطعة اللحم الصغيرة جدا.
وقدرت بأنها بحجم ما يمضغه الإنسان في فمه، وهذه المضغة تتطور أيضا وتكبر شيئا فشيئا.
فمجموع هذه الأطوار الثلاثة مائة وعشرون يوما، أي أربعة أشهر كاملة يمر بها هذا الجنين.
وبعد هذه الأطوار الثلاثة يرسل الله عز وجل ملكا من الملائكة الموكلين بالأرحام إلى هذا الجنين.
فينفخ فيه الروح، والروح هي السر العجيب الذي تحيا به الأجساد، وكيفية النفخ لا يعلمها إلا الله.
وقد نهى الله عن التعمق في كنه الروح، وجعلها من أمره الذي استأثر بعلمه دون سائر خلقه.
ويترتب على نفخ الروح أحكام شرعية عظيمة، فلو سقط الجنين بعد نفخ الروح فيه يعامل كالكبير.
فيغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين، ويسمى وتذبح عنه العقيقة لأنه صار إنسانا.
ويحرم قطعا إسقاطه بعد نفخ الروح فيه بأي حال من الأحوال، لأن في ذلك قتلا لنفس معصومة.
حتى لو زعم الأطباء أن بقاءه يشكل خطرا على حياة الأم، فلا يجوز قتل نفس لإحياء نفس أخرى.
أما قبل نفخ الروح وقبل التخليق فالأمر أهون، وإن كان الإسقاط لغير عذر شرعي لا يجوز أيضا.
ويؤمر هذا الملك الموكل بالجنين بكتب أربع كلمات تلازمه طيلة حياته وتحدد مسار مستقبله.
فيؤمر بكتب رزقه، والرزق نوعان: رزق يقوم به البدن كالأكل والشرب واللباس والمسكن.
ورزق يقوم به الدين وهو العلم النافع والإيمان الصادق، وكلاهما مراد ومكتوب في هذا الحديث.
ويؤمر بكتب أجله، والأجل هو مدة بقائه في هذه الدنيا، والناس يختلفون في آجالهم اختلافا بينا.
فمنهم من يموت فور ولادته، ومنهم من يعمر طويلا، وهذا التقدير بيد الله وحده لا بيد البشر.
ولا علاقة للأجل بصحة البدن وقوته، فقد يموت الشاب القوي بحادث مفاجئ ويبقى المريض العاجز.
وهذا الأجل محتوم لا يتقدم لحظة ولا يتأخر، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون.
ولا أثر للوراثة في طول الأجل وقصره، فكم من شاب مات في قبيلة تعمر، وعمر آخر في قبيلة لا تعمر.
ويؤمر الملك بكتب عمله، أي ما سيكتسبه هذا الإنسان من الأعمال القولية والفعلية والقلبية.
فكل حركة وسكنة مكتوبة ومقدرة، ولكن هذا لا يمنع الإنسان من السعي والعمل واختيار الخير.
ويؤمر بكتب خاتمته أهو شقي أو سعيد، وهذه هي النهاية التي يتحدد بها مصير العبد الأبدي.
فالسعيد هو الذي منّ الله عليه بالسرور والنعيم المقيم في الجنة، والشقي هو من استحق عذاب النار.
ولا يعلم الإنسان ماذا كتب له من هذه الأمور الأربعة، ولذلك وجب عليه السعي في أسباب النجاة.
فالقدر سر الله المكتوم، ولا ينبغي للعاقل أن يتكل على المكتوب ويترك العمل الصالح والاجتهاد.
بل مقتضى الإيمان بالقدر أن نعمل ونسأل الله التوفيق، فكل ميسر لما خلق له كما أخبر النبي.
وقد وكل الله بكل إنسان ملائكة يحفظونه ويكتبون أعماله، وهذا من عظيم عناية الله تعالى بخلقه.
ثم أقسم على أمر عظيم فقال فوالله الذي لا إله غيره، وهذا قسم مؤكد بالتوحيد الخالص لله.
وهذه الجملة قيل إنها من كلام ابن مسعود أدرجت في الحديث، وقيل بل هي من كلام النبي نفسه.
والأصل في علم الحديث أن ما ورد في السياق فهو من أصل الحديث حتى يقوم دليل قطعي على الإدراج.
أقسم أن العبد قد يعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، حتى لا يبقى بينه وبينها إلا ذراع.
فليس المعنى أنه يعمل عملا صالحا مقبولا ثم يخذله الله، فالله أكرم من أن يخذل عبدا مخلصا.
ولكن المراد أن عمله في ظاهره صالح، وفي باطنه دسيسة من رياء أو نفاق أو عجب تفسد خاتمته.
فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيموت على ذلك فيدخلها، والعياذ بالله من سوء الخاتمة.
وهذا يوجب على المؤمن الخوف الدائم من تقلب القلوب، وسؤال الله الثبات على الحق حتى الممات.
وقد وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم قصص تؤكد هذا المعنى العظيم وتجليه للصحابة.
كقصة الرجل الذي كان يقاتل بشجاعة نادرة في المعركة، حتى تعجب الناس من إقدامه وبسالته.
فقال النبي إنه من أهل النار، فشق ذلك على الصحابة، فتابعه أحدهم ليرى نهاية أمره العجيب.
فلما جرح الرجل جزع من الألم وسل سيفه وقتل نفسه منتحرا، فصدق فيه إخبار النبي صلى الله عليه وسلم.
وبالمقابل قد يعمل العبد بعمل أهل النار ثم يسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها.
كقصة الأصيرم الذي كان معاديا للإسلام، ثم ألقى الله في قلبه الإيمان يوم أحد فأسلم وجاهد وقتل.
فمات شهيدا ولم يسجد لله سجدة واحدة، فكانت خاتمته حسنة بعد أن قضى عمره في الكفر والضلال.
فالعبرة دائما بالخواتيم، وهذا يفتح باب الرجاء للعصاة ليتوبوا، ويحذر الطائعين من الاغترار بأعمالهم.
إن هذا الحديث الجليل يؤسس لعقيدة الإيمان بالقدر خيره وشره، ويبعث في النفس الطمأنينة التامة.
فإذا أيقن العبد أن رزقه مكتوب لا يسلبه إياه أحد، وأن أجله محدود لا يقدمه حرص ولا يؤخره حذر.
سكن قلبه وارتاح باله، وانصرف جهده إلى طاعة ربه وعمارة آخرته التي هي دار القرار والمستقر.
ولا يجوز التذرع بالقدر لفعل المعاصي، فالقدر يحتج به عند المصائب ولا يحتج به على المعايب.
وعلى المؤمن أن يحرص على تطهير باطنه كما يطهر ظاهره، فدوافع القلوب هي التي تحدد المصائر.
وليحذر من المكر الخفي، وليكثر من دعاء يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك كما كان يفعل النبي.
فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، والهداية محض فضل ومنة من الله الكريم.
نسأل الله أن يحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأن يجيرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة بفضله ورحمته.