جارٍ التحميل...

جارٍ التحميل...
يروي هذا الحديث الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ناقلا وصية من أعظم الوصايا النبوية.
وقد مهد النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الوصية بفعل يجذب الانتباه ويجمع حواس السامع لتلقي المقال.
فأخذ بمنكبي عبد الله بن عمر، وهو إمساك حاني بكتفيه من الأمام، ليكون أبلغ في التأثير وحضور القلب.
وهذا من حسن تعليم المربي الأعظم الذي يستخدم الوسائل الحسية لترسيخ المعاني الروحية العميقة في النفوس.
فقال له كن في الدنيا كأنك غريب، والغريب هو الذي ينزل في بلد لا يعرف فيه أحدا ولا يعرفه فيه أحد.
فهو لا يتخذ هذا البلد موطنا مستقرا ولا دار إقامة دائمة، بل قلبه معلق بوطنه الأصلي الذي جاء منه.
ثم ارتقى النبي لمرتبة أعلى في الزهد فقال أو عابر سبيل، وعابر السبيل هو المسافر الماشي في طريقه.
فعابر السبيل لا ينوي الإقامة أصلا بل هو في حركة دائبة، وهذا أكمل في التجرد من الغريب المقيم مؤقتا.
وهذا التوجيه النبوي الكريم يغرس في قلب المسلم حقيقة الزهد في الدنيا، وعدم الركون لزخرفها الزائل.
فالإنسان مهما طال به العمر وامتدت به الآمال، فإن مآله المحتوم هو مفارقة هذه الدار والانتقال للآخرة.
كما أن الدنيا ليست بدار صفاء خالص ولا سرور دائم، بل نعيمها مشوب بالكدر، وسرورها محفوف بالأحزان.
فكيف لعاقل أن يركن إلى دار هذه صفتها، وينسى دار الخلد التي أعدها الله لعباده المتقين الصالحين.
وقد تأثر ابن عمر رضي الله عنهما بهذه الموعظة البليغة تأثرا بالغا، فصاغ منها منهجا عمليا لحياته.
فكان يقول إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، أي بادر بالعمل الصالح في المساء ولا تؤجله إلى طلوع الفجر.
لأن الإنسان قد يدركه الموت بغتة في ليلته قبل أن يصبح، وتأجيل الطاعات من وساوس الشيطان ومكائده.
وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، فاعمل في نهارك بجد واجتهاد، ولا تسوف عمل اليوم إلى الغد المجهول.
وهذا الإرشاد العمراني يوقظ الإنسان من غفلة طول الأمل، ويذكره بكثرة الحوادث ومفاجآت الأقدار اليومية.
فكم من إنسان يخرج من بيته سليما معافى، يخطط لمستقبله القريب، ثم يتخطفه الموت في حادث سير مفاجئ.
وكم من شخص نام على فراشه آمنا، فقبضت روحه ولم يستيقظ، فالموت لا يستأذن أحدا ولا يعرف صغيرا ولا كبيرا.
ولهذا قيل اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا، وهو أثر مشهور يجسد هذا المعنى.
ومعناه أن أمور الدنيا تحتمل التأجيل، فما فاتك اليوم تدركه غدا، فكن هادئا ولا تجعلها أكبر همك أبدا.
أما أمور الآخرة فلا تحتمل التأخير لحظة، فبادر بها كأنك ستموت غدا، لتلقى الله وصحيفتك مليئة بالحسنات.
ثم أضاف ابن عمر قائلا وخذ من صحتك لمرضك، فالصحة تاج على رؤوس الأصحاء وفرصة ذهبية للعمل الصالح.
فالصحيح يسهل عليه الصيام والقيام والجهاد، ونفسه منشرحة للعبادة، بخلاف المريض الذي يقعده الضعف والألم.
فالعاقل هو الذي يستثمر أوقات عافيته، ليكون له رصيد من الخير ينفعه إذا أقعده المرض وعجز عن الطاعة.
ثم ختم وصيته بقوله ومن حياتك لموتك، فالحياة هي ميدان الزرع، والميت ينقطع عمله وتطوى صحيفته للأبد.
إلا من الصدقة الجارية، أو العلم النافع، أو الولد الصالح الذي يدعو له، فما عدا ذلك لا سبيل لزيادته.
فخذ من هذه الحياة القصيرة زادا يقوتك في ظلمة القبر ويوم العرض الأكبر، واستعد للقاء ربك المعبود.
وقد بين العلماء وفي مقدمتهم شيخ الإسلام ابن تيمية حقيقة الزهد وكيفية التعامل السليم مع أموال الدنيا.
فقال ينبغي للإنسان أن يجعل المال كوسيلة نقل يركبها لتبلغه مقصده، أو كبيت الخلاء يقضي فيه حاجته فقط.
فلا يجعل المال غاية تسكن قلبه وتسيطر على تفكيره، بل يستخدمه مطية لنيل الدرجات العلى في الآخرة.
وهذا هو الفهم الدقيق للزهد، فليست العبرة بفقر اليد، بل بغنى القلب وتعلقه بالخالق دون المخلوقات.
وأكثر الناس اليوم للأسف الشديد جعلوا المال غاية كبرى، فركبهم المال واستعبدهم، وفاتهم بذلك خير كثير.
فأضاعوا أعمارهم في جمع الحطام، ونسوا الغاية التي خلقوا من أجلها، فخسروا راحة الدنيا ونعيم الآخرة.
وفي هذا الحديث إثبات لفضيلة ابن عمر، حيث تلقى الوصية بقلب واع، وحولها إلى برنامج عملي مؤثر جدا.
فكان قدوة للمسلمين في زهده وعبادته، يعلمهم بأفعاله قبل أقواله كيف يكون المسلم غريبا في دار الممر.
وكيف يوطن نفسه على الرحيل في كل لحظة، فلا يفرح بموجود فرحا يطغيه، ولا يحزن على مفقود حزنا ينسيه.
وبهذا التوازن النفسي العجيب، تستقيم حياة الأمة، وتتفرغ عقول أبنائها لبناء حضارة ترتكز على تقوى الله.
فالزهد لا يعني البطالة والكسل، بل يعني العمل والإنجاز مع تجريد القلب من التعلق العاطفي بنتائج الدنيا.
فيكون المسلم أقوى الناس في مواجهة الصدمات، لأنه يعلم يقينا أن كل ما على التراب تراب وسيفنى حتما.
وإن حسن تعليم النبي صلى الله عليه وسلم يتجلى بوضوح في قدرته على صياغة المعاني المجردة في صور حسية.
فلو قال للمسلمين ازهدوا في الدنيا، لكانت الكلمة عامة قد لا تلامس شغاف القلوب بنفس الدرجة من القوة.
لكن تشبيه المسلم بالغريب أو عابر السبيل، يرسم صورة حية متحركة في الذهن لا تمحى بمرور الأيام والأعوام.
وهذا الأسلوب النبوي الرفيع في التربية والدعوة يحتاجه كل معلم وخطيب لتقريب المفاهيم العميقة للناس.
كما أن لمسه لكتف ابن عمر يحمل دلالات الأبوة الحانية والشفقة البالغة على هذا الشاب اليافع المتعلم.
ليشعره بأهمية ما سيلقى إليه من كلام، فيفتح مسامع قلبه قبل أذنيه، ويحفظ الوصية لتبلغ الأجيال المتلاحقة.
فما أحوجنا اليوم إلى استعادة هذا المنهج في تربية أبنائنا، بالحب والاقتراب النفسي والجسدي والرفق بهم.
نسأل الله أن يجعلنا في الدنيا كعابري سبيل، وأن يرزقنا الزهد فيها، وأن يجعل همنا رضا ربنا والفوز بجنته.