جارٍ التحميل...

جارٍ التحميل...
يروي هذا الحديث الصحابي الجليل أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، مبينا واجب الأمة في حراسة الفضيلة ودفع الرذيلة.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم من رأى منكم منكرا، وكلمة من شرطية تفيد العموم، لتشمل كل مسلم قادر على التغيير.
والرؤية هنا لا تقتصر على رؤية البصر فقط، بل تشمل كل علم يقيني بحصول المنكر، كالسماع والتواتر الخبري الصحيح.
والمنكر هو كل ما حرمه الله ورسوله، وكل ما خالف الفطرة السليمة والمقاصد الكلية للشريعة الإسلامية المطهرة السمحاء.
فمن علم بوجود منكر وجب عليه تغييره، والتغيير هو إزالة المنكر وإبداله بالمعروف، أو تخفيف ضرره وتقليله ما أمكن.
بدأ النبي بالمرتبة الأعلى فقال فليغيره بيده، وتغيير اليد يكون بالفعل المباشر، كإراقة الخمور وكسر آلات اللهو المحرمة.
وغني عن البيان أن هذه المرتبة تناط بمن يملك السلطة والولاية، كرب الأسرة في بيته، والمسؤول في حدود إدارته فقط.
ولكن هذا التغيير اليدوي مشروط بألا يؤدي إلى منكر أكبر منه، كأن يثير فتنة أو اقتتالا أو انتهاكا لحرمات أشد وأقسى.
فإن عجز عن التغيير باليد لانعدام السلطة أو الخوف من الفتنة، انتقل للمرتبة الثانية فقال فإن لم يستطع فبلسانه.
والتغيير باللسان يكون بالبيان والنصح والتوجيه والوعظ والتخويف بالله، واستخدام الأسلوب المناسب للمقام والحال.
فقد يكون باللين والرفق مع الجاهل، وقد يحتاج إلى الغلظة والزجر مع المتمرد المجاهر بالمعصية المستهتر بها وبأحكامها.
ويدخل في التغيير باللسان كل وسائل التعبير كالخطابة والتأليف والكتابة في الصحف ووسائل التواصل الحديثة المتاحة للناس.
فالكلمة الصادقة لها تأثير السحر في القلوب، وكم من منكر أزيل بمقالة عالم أو نصيحة داعية مخلص شجاع محتسب للأجر.
ويشترط للتغيير باللسان العلم الشرعي، فلا يجوز الإنكار بجهل، لئلا يحلل حراما أو يحرم حلالا عن غير قصد وبلا بصيرة.
وكذلك يجب التثبت من وقوع المنكر حقا، والتأكد من كونه منكرا في حق الفاعل، فقد يكون له عذر شرعي خفي لا نعلمه.
كالمسافر الذي يفطر في نهار رمضان، ففعله ليس منكرا في حقه، فلا ينكر عليه إلا من باب التبيين والاستفسار عن حاله.
فإن عجز المسلم عن التغيير باللسان لخوف بطش أو أذى محقق، انتقل للدرجة الأخيرة فقال فإن لم يستطع فبقلبه ونيته.
والتغيير بالقلب هو كراهية المنكر وبغضه، والأسف على ارتكابه، وتمني زواله لو كان يملك القدرة على ذلك حقيقة واقعة.
ويستلزم الإنكار القلبي مفارقة مكان المنكر وعدم الجلوس مع العصاة أثناء معصيتهم إلا من أكره إكراها يسلبه إرادته.
فلا يصح أن يزعم شخص أنه ينكر بقلبه وهو يضاحك أهل المنكر ويشاركهم مجالسهم الخبيثة طواعية واختيارا ورضا.
وقد وصف النبي هذه المرتبة بقوله وذلك أضعف الإيمان، أي أقل مراتب الإيمان الواجبة في هذا الباب العظيم الخطير.
وهذا يدل على أن من لم ينكر بقلبه فقد فقد هذا الجزء من الإيمان، لأن القلب الخالي من كراهية الباطل قلب ميت تماما.
ويستفاد من هذا أن الإيمان ليس مجرد اعتقاد مجرد، بل هو عقيدة تولد أفعالا، وتنعكس على الجوارح رفضا للفساد.
فكلما قوي الإيمان في القلب، قويت إرادة التغيير والمواجهة للباطل، وكلما ضعف الإيمان، استكان العبد ورضي بالواقع.
ويقرر هذا الحديث حقيقة هامة وهي أن مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي مسؤولية تضامنية عامة للمسلمين.
فلا يحق لأحد أن يتهرب منها بحجة أنها من اختصاص جهات رسمية معينة فقط، بل هي واجب كل عين رأت الخلل المحرم.
ولكن تفاوت المراتب هو الذي يضبط هذا التدخل، ليمنع الفوضى والتعدي على الصلاحيات تحت ستار الغيرة الدينية العمياء.
كما يضع الحديث شرطا هاما للإنكار، وهو أن يكون المنكر مجمعا على تحريمه، أو الخلاف فيه ضعيف لا يعتد به إطلاقا.
أما المسائل الاجتهادية التي تباينت فيها آراء العلماء المعتبرين، فلا يجوز فيها الإنكار والتشديد وتخطئة المخالف بقسوة.
كمن يرى جواز بيع العملات الورقية بتفاضل بناء على رأي فقهي، فلا ينكر عليه بشدة، بل يناقش ويوضح له الرأي الآخر.
والمقلد العامي يلزمه اتباع علماء بلده الثقات، ولا يفتح له باب التخير بين الرخص لئلا ينفلت من ربقة التكليف الديني.
وهذا التفصيل يمنع تحول شعيرة الحسبة إلى أداة لتمزيق صفوف المسلمين وإثارة النزاعات الفقهية في المجالس العامة.
ومن قواعد الحسبة الذهبية المستنبطة من هذا الحديث ومقاصد الشريعة، قاعدة الموازنة بين المصالح والمفاسد المتوقعة.
فإذا كان إنكار المنكر سيؤدي لزواله أو تخفيفه، فالإنكار واجب، وإن كان لا يؤثر فيه فالإنكار مستحب لإبراء الذمة فقط.
وإن كان الإنكار سيؤدي إلى منكر مساو له في القبح، فالأمر فيه مجال للاجتهاد والتأمل وتقدير العواقب بحذر شديد جدا.
أما إن كان الإنكار سيؤدي إلى منكر أعظم وأشد خطرا، كإراقة الدماء أو انتهاك الأعراض، فالإنكار حينئذ محرم قطعا.
وهذا من الفقه الدقيق الذي يغيب عن بعض المتحمسين الذين تدفعهم العاطفة للتغيير اليدوي دون قراءة للنتائج والعواقب.
فقد أمر القرآن الكريم بترك سب أصنام المشركين إذا كان ذلك سيؤدي إلى سبهم لله جل جلاله عدوا بغير علم ولا هدى.
فدرء المفسدة الكبرى مقدم على جلب المصلحة الصغرى، وهذا يتطلب بصيرة وحكمة وعلما شرعيا راسخا لا تزعزعه العواطف.
فالدعوة إلى الله فن يحتاج إلى تلطف وتدرج، ومراعاة لظروف المدعوين ونفسياتهم ومستوى تقبلهم للحق والخير والصلاح.
ويستدل من إضافة التغيير إلى اليد، أن الجوارح لها نصيب من الأعمال التي تسمى إيمانا في الشريعة الإسلامية السمحة.
فالإيمان قول باللسان، وتصديق بالقلب، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعات والقربات، وينقص بالمعاصي والمخالفات الشرعية.
فاليد التي تكسر صليب الشرك أو زجاجة الخمر تعمل عملا إيمانيا، واللسان الذي يأمر بالصلاة يعمل عملا إيمانيا جليلا.
والقلب الذي يكره الفسق والفجور يعمل عملا إيمانيا باطنيا، وهو الأساس الذي لا يسقط عن أحد مهما بلغت ذريعته وعجزه.
ولا حاجة للمسلم أن يغوص في جدليات كلامية عقيمة حول هل الأعمال شرط لصحة الإيمان أم شرط لكماله الواجب شرعا.
فالصحابة الكرام لم يسألوا النبي هذه الأسئلة الفلسفية المعقدة، بل كانوا يمتثلون الأوامر ويسارعون إلى الطاعات بقوة.
وما حكم الشرع بأنه مخرج من الملة كترك الصلاة فهو كفر، وما دونه فهو معصية تنقص الإيمان ولا تهدم أصله تماما.
وهذا هو منهج السلامة والوضوح، الذي يغلق أبواب البدع والمناظرات التي فرقت شمل الأمة وأوهنت قوتها وذهبت بريحها.
إن درجات الأمر بالمعروف تتدرج من الدعوة اللطيفة الموجهة لعموم الناس لترغيبهم في الخير وتحذيرهم من الشر المحدق.
ثم تنتقل إلى الأمر والنهي المباشر الذي يحمل طابع التوجيه الملزم، لمن يملك سلطة أدبية أو اعتبارية على المخاطب.
وصولا إلى التغيير اليدوي القسري، الذي هو آخر العلاج الكي، لمن يملك سلطة تنفيذية قادرة على إزالة المنكر فورا وبلا تردد.
والمسلم مطالب بأن يتدرج في هذه المراتب، فيبدأ بالكلمة الطيبة والوعظ الحسن، ولا يلجأ للشدة إلا إذا استنفد اللين تماما.
ولنا في أنبياء الله أسوة، فموسى وهارون أمرا بالقول اللين مع فرعون أطغى طغاة الأرض لعله يتذكر أو يخشى ويؤمن.
فالرفق ما كان في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه، والقلوب لا تفتح بالقوة الغاشمة، بل تفتح بالموعظة الصادقة.
ولكن متى ما تمرد العاصي وأصر على إفساده وتعديه على محارم الله، وجب الأخذ على يده بقوة لئلا يغرق سفينة المجتمع.
وهذه الموازنة بين اللين في الدعوة والحزم في التغيير هي التي تضمن استقامة أحوال الأمة وصلاح مجتمعاتها وأفرادها.
وختاما، فإن هذا الحديث الشريف يوقظ في نفس المسلم روح الغيرة على دين الله، والحرص على نقاء بيئته ومجتمعه المحيط.
فلا يقبل المسلم أن يعيش في مستنقع من الرذائل وهو يقف موقف المتفرج السلبي بحجة أن الأمر لا يعنيه ولا خصه شخصيا.
بل هو شريك في بناء هذا المجتمع، وأي ثقب في سفينة الأمة سيغرق الجميع، الصالح والطالح، إن لم يتداركوه بالإصلاح الجاد.
ولذلك كانت فريضة الحسبة هي صمام الأمان الذي حفظ للإسلام حيويته واستمراريته على مر العصور واختلاف الأزمان.
فيجب على كل أب أن يكون رقيبا في بيته، وعلى كل معلم أن يكون موجها في مدرسته، وعلى كل موظف في عمله وبيئته.
لنجعل من إنكار المنكر ثقافة عامة، منضبطة بضوابط الشرع، محفوفة بالرحمة والمحبة وإرادة الخير للمخالفين العاصين.
نسأل الله أن يجعلنا هداة مهتدين، لا ضالين ولا مضلين، وأن يستعملنا في طاعته، وأن يعيننا على الأمر بالمعروف وفعله.
وأن يرزقنا الحكمة والبصيرة، وأن يطهر مجتمعاتنا من المنكرات والفتن، وأن يهدي ضال المسلمين ويرده إليه ردا جميلا.