جارٍ التحميل...

جارٍ التحميل...
يروي هذا الحديث الصحابي الجليل أبو ثعلبة الخشني رضي الله عنه، واسمه جرثوم بن ناشر على القول الأصح والأشهر بين الرواة.
وهذا الحديث يمثل قاعدة فقهية وتشريعية كبرى، تقسم الأحكام الدينية إلى أربعة أقسام شاملة تحيط بكل أفعال المكلفين وتضبطها.
القسم الأول هو الفرائض، فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، والفرائض هي الواجبات الحتمية الملزمة.
كالصلوات الخمس، والزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ومعنى لا تضيعوها أي لا تتركوها بالكلية، ولا تنقصوا من أركانها وشروطها، ولا تؤخروها عن أوقاتها المحددة شرعا دون عذر مقبول.
فمن ضيع الفرائض فقد عرض نفسه لعقاب الله وغضبه، ونقض عهده مع ربه، وكان من الخاسرين الذين فرطوا في رأس مال إيمانهم.
والمحافظة على الفرائض هي أول درجات الولاية والتقرب إلى الله، كما ورد في الحديث القدسي وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه.
فلا يقبل الله النافلة حتى تؤدى الفريضة، والمفرط في الواجبات مخطئ وإن أكثر من السنن، لأن الواجبات هي الأساس المتين للبناء الإسلامي.
القسم الثاني هو الحدود، فقال النبي وحد حدودا فلا تعتدوها، والحدود في لغة الشرع تطلق على معنيين أساسيين يكمل بعضهما الآخر.
المعنى الأول هو العقوبات المقدرة شرعا على بعض المعاصي، كحد الزنا، وحد السرقة، وحد القذف، وحد شرب الخمر، وحد الحرابة.
فعدم الاعتداء فيها يعني ألا نتجاوز القدر المحدد شرعا في العقوبة، فلا نجلد مائة وعشرين من استحق مائة جلدة، لأن الزيادة ظلم وعدوان.
والمعنى الثاني للحدود هو الفواصل الفاصلة بين الحلال والحرام، كأحكام المواريث، وأنصبة الزكاة، وشروط النكاح، وضوابط المعاملات المالية.
فعدم الاعتداء فيها يعني الوقوف عندها وعدم تجاوزها وتغييرها بأهواء البشر وقوانينهم الوضعية التي تخالف شرع الله الحكيم العادل.
كما قال تعالى بعد ذكر أحكام المواريث تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات، ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا.
فالمسلم مأمور بالوقوف عند حدود الله صاغرا مطيعا، لا يحلل حراما، ولا يحرم حلالا، ولا يتجرأ على تشريع مالم يأذن به الله عز وجل.
والتعدي على حدود الله هو أصل كل فساد وظلم يقع في المجتمعات، لأنه تمرد على المنهج الإلهي الأكمل والأصلح لحياة البشرية جمعاء.
القسم الثالث هو المحرمات، فقال النبي وحرم أشياء فلا تنتهكوها، والمحرمات هي المنهيات التي طلب الشارع تركها طلبا جازما قاطعا.
كالشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات.
ويدخل فيها كل ما يضر بالبدن أو العقل أو المال أو العرض، كشرب الخمر والمخدرات، والزنا واللواط، والسرقة والغش، والكذب والغيبة والنميمة.
وقوله فلا تنتهكوها أي لا تفعلوها ولا تتجرؤوا عليها، والانتهاك أبلغ من مجرد الفعل، لأنه يوحي بتكسير السياج المضروب حول المحرم وخرقه.
وقد أمر الله باجتناب المحرمات، والاجتناب يعني الابتعاد عنها وعن كل الطرق والوسائل الموصلة إليها، كسد الذرائع ومنع الخلوة بالمرأة الأجنبية.
فحماية المحرمات هي حماية للفرد والمجتمع من الانهيار الأخلاقي والصحي والاجتماعي، فما حرم الله شيئا إلا وفيه مفسدة خالصة أو راجحة.
والمؤمن الصادق هو الذي يعظم محارم الله، ويخشى الوقوع فيها، ويسارع بالتوبة النصوح إن زلت به القدم وضعفت نفسه أمام مغريات الشياطين.
ومن وقع في الشبهات أوشك أن يقع في الحرام، فالسلامة كل السلامة في الابتعاد عن حمى الله لئلا يرتع فيه العبد فيهلك خسرانا.
القسم الرابع هو المسكوت عنه، فقال النبي وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها، وهذا من أعظم مظاهر سعة الشريعة ورحمتها.
فالله عز وجل شرع الفرائض وحد الحدود وحرم المحرمات، وبقيت مساحة واسعة من الأفعال والأقوال والعادات والأعيان لم ينص عليها بحكم محدد.
وهذا السكوت ليس نسيانا من الله، فالله جل جلاله لا ينسى ولا يضل، وما كان ربك نسيا، بل هو سكوت مقصود لحكمة بالغة وهي الرحمة بالعباد والتخفيف عنهم.
والقاعدة الفقهية المستنبطة من هذا أن الأصل في الأشياء النافعة والعادات والمعاملات هو الإباحة والحل، حتى يأتي دليل صحيح صريح ينقلها للتحريم.
فما لم يرد فيه نص بتحليله أو تحريمه فهو عفو ومباح، يتمتع به المسلم دون حرج، وهذا يعطي الشريعة مرونة هائلة لاستيعاب كل مستجدات الحياة والعصور.
وقوله فلا تبحثوا عنها هو نهي عن التنطع وكثرة الأسئلة الافتراضية التي قد تؤدي إلى تحريم المباح وتضييق ما وسعه الله على عباده الموحدين.
فقد كان هذا النهي مؤكدا في عهد النبوة، حيث كان الوحي ينزل، وقد يسأل الرجل عن شيء مباح فينزل تحريمه بسبب سؤاله وتنطعه غير المبرر.
كما حصل لبني إسرائيل حين أمروا بذبح بقرة، فلو ذبحوا أي بقرة لأجزأتهم، لكنهم شددوا وكثروا الأسئلة، فشدد الله عليهم حتى كادوا ألا يفعلوا.
ويستفاد من هذا الحديث الرد القاطع على المبتدعين الذين يضيفون للدين عبادات وأذكارا وطقوسا لم يشرعها الله ورسوله بحجة أنها خير محض.
فنقول لهم إن الله قد أكمل الدين، وفرض الفرائض، وما سكت عنه من العبادات لا يجوز لنا أن نخترعه أو نشرعه من عند أنفسنا بأهوائنا القاصرة.
فالأصل في العبادات التوقيف والمنع، والأصل في العادات الإباحة، والبدعة إحداث في الدين ما ليس منه، وهو مردود باطل لا يقبله الله مهما حسنت النية.
كما يعلمنا الحديث التوازن والاعتدال في فهم الدين وتطبيقه، فلا إفراط ولا تفريط، ولا غلو ولا تقصير، بل التزام بالحدود الربانية السمحة.
فلا نزيد في الفرائض فنشق على أنفسنا، ولا ننقص منها فنأثم، ولا نحرم ما أحل الله من الطيبات زاعمين الزهد والورع الكاذب المخالف لهدي الأنبياء.
وإنما الورع الحقيقي هو الوقوف عند ما أنزل الله، والتسليم لأحكامه، والرضا بما قسمه، واستثمار مساحة العفو والمباح في عمارة الأرض بالخير والنفع.
وهذا الحديث يريح العقل والنفس من عناء البحث عن أحكام لكل جزئية تافهة في الحياة، ويكتفي بالقواعد الكلية والمقاصد العامة للشريعة الغراء.
نسأل الله أن يفقهنا في ديننا، وأن يعيننا على أداء فرائضه، والوقوف عند حدوده، واجتناب محارمه، وأن يشملنا برحمته وعفوه ولطفه، إنه أرحم الراحمين.