جارٍ التحميل...

جارٍ التحميل...
يروي أبو هريرة رضي الله عنه هذا الحديث العظيم الذي يجمع أبوابا من التكافل الاجتماعي والتراحم بين المسلمين.
فقوله من نفس عن مؤمن كربة، التنفيس يعني التوسعة وإزالة الضيق، والكربة هي ما يكرب الإنسان ويغتم ويتضايق منه.
سواء كانت هذه الكربة في أمور الدنيا كالفقر والمرض، أو كانت كربة تتعلق بالدين كأن يقع المسلم في حيرة أو ضيق شديد.
والجزاء من جنس العمل، فمن نفس عن مؤمن في الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة العظيمة المهولة.
والتنفيس من الله في الآخرة يختلف عن تنفيس الدنيا اختلافا شاسعا في النوع والمقدار، فكرب الدنيا لا تساوي شيئا.
ويوم القيامة سمي بذلك لأن الناس يقومون فيه لرب العالمين، ولأنه تقام فيه الأشهاد، ولأنه يقام فيه العدل والقسطاس.
فهو يوم عسير على الكافرين، ولكنه يسير ومخفف على المؤمنين، وكل إنسان ييسر عليه بحسب إيمانه وعمله الصالح.
فمن فرج عن إخوانه في دار الممر، فرج الله عنه في دار المقر، وهذا من كمال عدل الله ولطفه بعباده المحسنين.
ثم انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى نوع آخر من تفريج الكربات فقال ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدارين.
والمعسر هو الذي لا يجد ما يقضي به دينه، أو يعجز عن تيسير أمور حياته لضيق ذات يده وقلة موارده المالية.
والتيسير عليه يكون بإنظاره وإمهاله، أو بإسقاط الدين عنه، أو بمساعدته بمال يفك به ضائقته ويسد به عوزه وحاجته.
فإن كان هذا المعسر مدينا لك، فالتيسير عليه واجب شرعي بنص القرآن، ولا يجوز لك مطالبته أو رفع أمره للقضاء.
ومن يطالب المعسرين ويرفعهم للقضاء ليحبسوا فهو عاص لله ورسوله، لأنه خالف قوله تعالى وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة.
أما إن كان المعسر مدينا لغيرك، فالتيسير عليه ومساعدته لسداد دينه يعتبر مستحبا ومندوبا، وتؤجر عليه أجرا عظيما.
وقد جعل الله جزاء الميسر في الدنيا والآخرة، لأن التيسير إحداث للخير وجلب للمنفعة، بخلاف التنفيس الذي هو دفع للضرر.
فالميسر ينال بركة في ماله وتيسيرا في حياته، ونجاة من عذاب الله يوم القيامة، وهذا ثواب مضاعف لعمل جليل.
ثم قال ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والستر هو الإخفاء والتغطية لعيوب المسلم وزلاته عن أعين الناس.
ولكن الستر المطلوب شرعا ليس مطلقا في كل الحالات، بل ينقسم إلى ثلاثة أقسام بحسب حال المستور وما تقتضيه المصلحة.
القسم الأول أن يكون الستر خيرا، كأن يقع رجل ذو هيئة ودين في خطأ أو زلة، ويعلم من حاله الندم وعدم الإصرار.
فمثل هذا يجب ستره، ولا يجوز فضحه أو التشهير به، لأن فضيحة الصالحين تكسر قلوبهم وتضعف هيبتهم في المجتمع.
القسم الثاني أن يكون الستر شرا، كأن يكون المذنب معروفا بالفساد والعدوان، وإذا سترته تمادى في طغيانه وإجرامه.
فهذا لا يجوز ستره، بل يجب رفع أمره لمن يردعه ويؤدبه، كأن يرفع للجهات المسؤولة أو لولي أمره ليكف شره عن الناس.
القسم الثالث أن يتردد الإنسان ولا يدري هل الستر خير أم كشف الأمر خير، فالأصل في هذه الحالة تغليب جانب الستر.
لأن الخطأ في العفو أحب من الخطأ في العقوبة، ولكن يجب متابعة هذا الشخص بحذر للتأكد من استقامته وعدم عودته للمنكر.
ثم قرر النبي صلى الله عليه وسلم قاعدة عامة في التعاون فقال والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
فمن أراد أن يعينه الله في شؤون حياته كلها، فليكن عونا لإخوانه المسلمين فيما يحتاجون إليه من قضاء الحوائج.
وهذا العون يشمل الأمور العظيمة كالمساعدة المالية، ويشمل الأمور اليسيرة كإدناء الفراش أو تقديم النعل للضيف.
ولكن هذا العون مقيد بأن يكون في أبواب البر والتقوى والمباحات، لقوله تعالى وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم.
فإن طلب أخوك عونا في معصية حرم عليك إعانته، وتكون إعانتك الحقيقية له حينئذ بمنعه من الوقوع في الإثم والظلم.
ثم رغب النبي في طلب العلم فقال ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة دار الكرامة.
والطريق يشمل الطريق الحسي كمشي الأقدام للمساجد والمدارس، والطريق المعنوي كقراءة الكتب واستماع الأشرطة العلمية.
والمراد بالعلم هنا هو العلم الشرعي وما يعين عليه من علوم الآلة، بشرط أن يطلبه المسلم خالصا لوجه الله لا للرياء والسمعة.
ثم بين فضل مجالس الذكر والقرآن فقال وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم.
فالاجتماع في المساجد التي أضافها الله لنفسه تشريفا وتعظيما، لتلاوة القرآن ودراسة معانيه، له فضل عظيم عند الله.
والتدارس يشمل القراءة المشتركة، كأن يقرأ أحدهم ويستمع الباقون، أو يقرأ كل واحد مقطعا، وكل ذلك جائز ومشروع.
أما القراءة بصوت واحد جماعي على سبيل التعبد فليست من هدي السلف، وإن فعلت للتعليم وتلقين الصبيان فلا بأس بها.
وجزاء هؤلاء المجتمعين أربع كرامات عظيمة، أولها أن تتنزل عليهم السكينة وهي الطمأنينة التي تملأ القلوب وتشرح الصدور.
وثانيها أن تغشاهم الرحمة، أي تحيط بهم رحمة الله من كل جانب كالغشاء الذي يغطي الإنسان ويحفظه من الآفات.
وثالثها أن تحفهم الملائكة، وتتنزل لسماع القرآن إكراما لهم، ورابعها أن يذكرهم الله في الملا الأعلى مفاخرا بهم.
وهذا أعظم وسام يناله العبد، أن يذكره رب السماوات والأرض في الملأ الأعلى، جزاء ذكره لربه في مجالس الدنيا.
وختم النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث الجليل بكلمة حاسمة تضبط موازين التفاضل بين الناس في ميزان الشريعة.
فقال ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه، أي أن من تأخر في ميدان العمل الصالح، فلن ينفعه شرف نسبه وعلو عائلته.
فالمقياس عند الله هو التقوى والعمل الصالح، لقوله تعالى إن أكرمكم عند الله أتقاكم، فالنسب لا يرفع خاملا قصر في طاعته.
والأنساب لها مكانتها في الإسلام، فالعرب خير من غيرهم، وبنو هاشم خيار قريش، ولكن هذا الشرف مشروط بالاستقامة.
فإن تخلف العمل بطل أثر النسب، ولنا في أبي لهب عم النبي صلى الله عليه وسلم عبرة، فقد كان من أشراف قريش ونسبهم.
ولكن لما بطأ به عمله وكفر بالله ورسوله، أنزل الله فيه سورة تتلى تتوعده بنار ذات لهب، ولم يشفع له قربه من النبي.
فالواجب على المسلم ألا يغتر بحسبه ونسبه، بل يشمر عن ساعد الجد، ويسابق في ميادين الطاعات والخيرات لينجو بنفسه.
وهذا الحديث دعوة صريحة للعمل والإيجابية، والتكافل والتراحم، وطلب العلم، والتعلق بكتاب الله، والاعتماد على الجهد لا الحسب.