جارٍ التحميل...

جارٍ التحميل...
يروي هذا الحديث خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابي الجليل أنس بن مالك.
وقد شرفه الله بخدمة النبي منذ صغره، فتعلم منه الكثير ونقل للأمة علما غزيرا نافعا.
ويبدأ الحديث بنفي صريح في قوله لا يؤمن أحدكم، وهذا النفي لا يقصد به نفي أصل الإيمان.
بل هو نفي لكمال الإيمان وتمامه، فالمسلم لا يكفر ولا يخرج من الملة إذا لم يتصف بهذا الخلق.
وهذا التأويل للنفي ليس تحريفا للنصوص، بل هو تفسير مبني على أدلة شرعية وقواعد صحيحة.
فالتحريف هو التأويل بلا دليل، أما التأويل المدعوم بأدلة الشرع فهو من الفقه الصحيح في الدين.
وقد استدل العلماء بأن هذا النقص في الأخلاق لا يوجب الردة، بل هو نقص في كمال الواجبات.
وهذا يرد على الخوارج والمعتزلة الذين يكفرون بالذنوب ويحملون نفي الإيمان على ظاهره المطلق.
ولفهم الحديث جيدا يجب أن نعرف معنى الإيمان في اللغة والشرع كما بينه المحققون من العلماء.
فالإيمان ليس مجرد التصديق كما يظن البعض، بل هو الإقرار المستلزم للقبول والانقياد والإذعان.
فمن صدق ولم ينقد فلا يعد مؤمنا، ولذلك فإن أبا طالب عم النبي صدق بنبوته ودافع عنه طويلا.
بل واعترف بأن دين محمد من خير الأديان، ولكنه لم ينقد ولم يسلم فلم ينفعه مجرد تصديقه.
ومحل الإيمان في الشرع يشمل القلب واللسان والجوارح، فهو اعتقاد وقول وعمل متلازم.
فقول اللسان يسمى إيمانا، وعمل الجوارح يسمى إيمانا، وتصديق القلب هو أصل الإيمان وركنه.
كما نص النبي على أن الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها التوحيد وأدناها إماطة الأذى.
فنفى كمال هذا الإيمان الشامل عمن لا يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه من الخير والمنفعة.
وقوله حتى يحب لأخيه، الغاية هنا واضحة، والمحبة شعور قلبي لا يحتاج إلى تفسير لغوي معقد.
فإن تفسير المحبة بغير لفظها قد يزيدها خفاء، فهي ميل القلب وإرادة الخير للمحبوب بصدق.
وقوله لأخيه يقصد به الأخوة الإيمانية التي تربط المسلمين ببعضهم في مشارق الأرض ومغاربها.
فالمؤمنون إخوة يجمعهم دين واحد وعقيدة واحدة، ويجب أن تسود بينهم مشاعر الود والتناصح.
وقوله ما يحب لنفسه، يشمل كل أنواع الخير الديني والدنيوي، ودفع الشرور والأذى والمكاره.
فمن أحب لنفسه الهداية والنجاح والغنى والستر، وجب عليه أن يحب ذلك لإخوانه المسلمين.
ومن أحب لنفسه النجاة من النار ودخول الجنة، فليتمنى ذلك لغيره وليعاملهم بما يحب أن يعاملوه.
وهذا التوجيه النبوي الكريم يقضي على الأنانية المذمومة التي تدمر العلاقات وتقطع الروابط.
ويدل هذا الحديث بمنطوقه على وجوب محبة الخير للمسلمين، وبمفهومه على تحريم الحسد.
لأن الحاسد لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه، بل يتمنى زوال نعمة الله عن أخيه المسلم أو يكرهها.
وقد اختلف العلماء في تعريف الحسد، فمنهم من قال هو تمني زوال النعمة عن المحسود.
ومنهم من قال، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، أن الحسد هو مجرد كراهة النعمة على الغير.
فإذا كره العبد ما أنعم الله به على أخيه فقد حسده، حتى وإن لم يتمن زوالها عنه بشكل صريح.
وهذا التعريف أدق وأشمل، ويبين خطورة هذا المرض القلبي الذي يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.
فالواجب على المسلم أن يطهر قلبه من الغل والحسد، وأن يفرح إذا رأى نعم الله تترا في أيدي إخوانه.
وأن يسأل الله من فضله بدلا من أن يضيق صدره بما قسمه الله لعباده من الأرزاق والمواهب.
وقد يعترض البعض ويقول إن الوصول إلى هذه المرتبة العالية من الإيثار أمر صعب جدا على النفس.
فكيف أستطيع أن أحب لغيري من النجاح والتفوق والمال ما أحبه لنفسي، والنفس مجبولة على الشح؟
والجواب أن هذا قد يكون صعبا في البداية، ولكنه يصبح يسيرا لمن مرن نفسه وعودها على الخير.
فمجاهدة النفس وتزكيتها تتطلب وقتا وصبرا، وكلما صدق العبد في نيته أعانه الله على بلوغ مراده.
أما إذا ترك الإنسان نفسه لهواها وشحها، فستبقى حبيسة الأنانية ولن ترتقي لمراتب الإيمان الكامل.
فالدين يحتاج إلى تدريب مستمر للقلب والجوارح، حتى تصبح الأخلاق الفاضلة سجية وطبعا متأصلا.
ومن سلك طريق تطهير القلب وجد حلاوة الإيمان، وشعر بانشراح الصدر وراحة البال والسكينة التامة.
لأن محبة الخير للناس تزرع في القلب نورا، وتجعل العبد راضيا بقضاء الله وقدره في قسمة الأرزاق.
وهناك نقطة في غاية الأهمية تتعلق بالتطبيق الخاطئ والفهم المعكوس لمعنى هذا الحديث الجليل.
فقد يظن بعض الجهال أو صغار الطلبة أن محبة الخير للأخ تعني مساعدته في ارتكاب الأخطاء.
كأن يسأل طالب هل يدخل في الحديث أن أُغشش زميلي في الاختبار لكي ينجح كما أحب أن أنجح أنا؟
والجواب الصارم هو لا قطعا، فهذا ليس من الإحسان أو محبة الخير، بل هو غش ومشاركة في الإثم.
لأنك إذا ساعدته على الغش فقد خنته وأسأت إليه في الحقيقة، وعودته على أخذ ما ليس بحق له.
وساهمت في تخريج جيل يحمل شهادات لا يستحقها، وهذا يضر بالمجتمع ويدمر مقدراته ومكتسباته.
فالمحبة الصادقة تقتضي أن تمنعه من الغش، وأن تساعده على المذاكرة والفهم بالطرق المشروعة.
لأن الدين لا يبيح ارتكاب المحرمات بحجة نفع الآخرين، فالخير الحقيقي هو ما وافق الشرع الحنيف.
وكذلك من المحبة الصادقة للأخ المسلم أن تنصحه إذا أخطأ، وترده عن الظلم إذا اعتدى وتجاوز.
فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم انصر أخاك ظالما أو مظلوما، ونصره ظالما يكون بمنعه من الظلم.
فليس من المحبة أن تتركه يتمادى في غيه ومعاصيه مجاملة له أو خوفا من أن يغضب منك ويهجرك.
بل المحبة توجب عليك أن تكون مرآة لأخيك، تبصر فيها عيوبه لتصلحها برفق وحكمة ولين جانب.
وأن تدعو له بظهر الغيب بالهداية والتوفيق، فهذا من أصدق علامات محبة الخير للمسلمين قاطبة.
وصياغة هذا الحديث جاءت بأرقى أساليب البلاغة والتحنين، حيث استخدم كلمة لأخيه لترقيق القلب.
فالأخوة تستدعي العطف والحنان والمواساة، وتذكر المخاطب برابطة الدم أو رابطة الدين الوثيقة.
نظير ذلك في القرآن الكريم استخدام كلمة الأخ في آيات القصاص لترغيب ولي الدم في العفو والصفح.
وختاما فإن هذا الحديث يضع حجر الأساس لبناء مجتمع إسلامي متماسك وقوي ومترابط كالبنيان المرصوص.
مجتمع لا مكان فيه للحسد أو الأنانية أو التناحر على المصالح الدنيوية الزائلة الدنيئة.
بل مجتمع يسعى كل فرد فيه لرفع شأن أخيه، ويفرح لفرحه، ويحزن لحزنه، ويقف معه في شدته.
ولو أن المسلمين طبقوا هذا الحديث في واقعهم، لزالت الكثير من المشاكل والعداوات والقطيعة.
ولأصبحت الأمة الإسلامية كما وصفها القرآن خير أمة أخرجت للناس في أخلاقها وتكافلها وتراحمها.
فنسأل الله العلي القدير أن يطهر قلوبنا من الغل والحسد، وأن يملأها بالمحبة والرحمة للمؤمنين.
وأن يرزقنا كمال الإيمان، وأن يعيننا على أن نحب لإخواننا ما نحب لأنفسنا من خيري الدنيا والآخرة.
وأن يجمعنا وإياهم في مستقر رحمته، إخوانا على سرر متقابلين، إنه ولي ذلك والقادر عليه وحده.