جارٍ التحميل...

جارٍ التحميل...
روى هذا الحديث أبو يعلى شداد بن أوس رضي الله عنه، مبينا شمولية شريعة الإسلام لكل مناحي الحياة.
فقوله إن الله كتب الإحسان، أي فرضه وأوجبه، فالكتابة في لغة الشرع تأتي بمعنى الفرض والإلزام المؤكد.
وكتابة الله عز وجل تنقسم إلى قسمين عظيمين، كتابة قدرية كونية، وكتابة شرعية دينية تتعلق بأفعال المكلفين.
فالكتابة القدرية لا بد أن تقع، كقوله تعالى ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون.
أما الكتابة الشرعية فقد يمتثل لها ابن آدم فتقع منه، وقد يعصي فلا تقع، كقوله تعالى كتب عليكم الصيام.
والإحسان المأمور به هنا كتابة شرعية، وهو يشمل كل شيء، لقوله على كل شيء، ولم يقل إلى كل شيء.
فهو ليس خاصا بالعبادات أو المعاملات، بل يتعداه إلى أدق تفاصيل الحياة، حتى في طريقة القتل وإزهاق الروح.
وهذا يدل على رأفة الله عز وجل ورحمته الواسعة، حيث جعل الإحسان سمة بارزة في كل تشريعاته وأحكامه.
وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم أمثلة تطبيقية لهذا الإحسان الشامل، فقال فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة.
فالقتلة تطلق على ما يحل قتله ولا يحل أكله، كالحيوانات المؤذية مثل الكلاب العقورة والثعابين والعقارب.
وكذلك تطلق على القصاص من القاتل، فإذا وجب قتل إنسان قصاصا، وجب إحسان قتله بأسهل الطرق وأسرعها.
فلو أراد إنسان أن يقتل كلبا مؤذيا، فله أن يقتله بالرصاص أو بالصعق الكهربائي إذا كان ذلك أسرع لخروج روحه.
ولا يجوز له أن يعذبه أو يقتله ببطء بحجة أنه حيوان مؤذ، فالإحسان مطلوب حتى في إعدام هذه الهوام.
ويستثنى من إحسان القتلة بتخفيفها حالة القصاص، فإنه يفعل بالجاني كما فعل بالمقتول تماما تحقيقا للعدل.
فقد رض يهودي رأس جارية بين حجرين، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يرض رأسه بين حجرين قصاصا.
فإحسان القتلة في القصاص هو موافقة الشريعة، لأن شرع الله هو قمة الإحسان والعدل الذي لا جور فيه أبدا.
ثم قال وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، والذبحة تطلق على ما يحل قتله ليؤكل من بهيمة الأنعام والطيور وغيرها.
وإحسان الذبح يكون بمراعاة الشروط الشرعية التي تجعل الذبيحة حلالا طيبا يحل للمسلم أن يطعم منه.
وأول هذه الشروط أن يكون الذابح مسلما أو كتابيا، يهوديا كان أو نصرانيا، لقوله تعالى وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم.
أما إذا كان الذابح وثنيا أو مجوسيا أو مرتدا عن الإسلام كتارك الصلاة، فإن ذبيحته تعتبر ميتة محرمة لا تؤكل.
ومن الشروط أيضا أن تكون الآلة حادة تنهر الدم، سواء كانت من حديد أو خشب أو حجر أو زجاج يقطع اللحم.
لقول النبي صلى الله عليه وسلم ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل، فإنهار الدم أي إسالته شرط أساسي للحل.
ويستثنى من الآلات السن والعظم والظفر، فلا يجوز الذبح بها حتى لو كانت تقطع وتريق الدم انهارا غزيرة.
لأن النبي علل المنع بأن السن عظم، والعظام إما نجسة أو هي طعام إخواننا من الجن فلا يجوز تلويثها بالدم النجس.
وأما الظفر فقد منع النبي صلى الله عليه وسلم من الذبح به معللا بأنه مدى الحبشة وسكاكينهم التي يذبحون بها.
والحبشة في ذلك الوقت كانوا من الأعاجم، وقد نهت الشريعة الإسلامية عن التشبه بالأعاجم في عاداتهم وخصائصهم.
ولأن الذبح بالظفر يستلزم إطالته وعدم قصه لتكون له حافة تقطع، وهذا يخالف سنن الفطرة التي أمرت بقص الأظفار.
ومن الشروط المهمة للذبح الشرعي هو قطع الودجين، وهما العرقان الغليظان المحيطان بالحلقوم المتصلان بالقلب.
فإذا قطعا تفجر الدم بغزارة وماتت الذبيحة بسرعة وارتاحت، وهذا هو المقصود بإنهار الدم الذي اشترطه الشارع.
والأكمل والأطهر أن يقطع الذابح مع الودجين الحلقوم والمريء، فهذه أربعة أشياء تقطع في عنق الذبيحة إحسانا لها.
فإن اقتصر على الودجين حلت الذبيحة، وإن اقتصر على الحلقوم والمريء دون الودجين لم تحل واعتبرت ميتة.
لأن النبي نهى عن شريطة الشيطان وهي التي تذبح من غير أن تفرى أوداجها، ولا يشترط مكان محدد للقطع من الرقبة.
ومن أعظم الشروط، التسمية وذكر اسم الله تعالى عند الذبح، لقوله وما لم يذكر اسم الله عليه فكل.
فإن ترك الذابح التسمية عمدا فالذبيحة محرمة بالإجماع، وإن تركها نسيانا فالصحيح أنها تحرم ولا تؤكل أيضا.
لأن الله تعالى نهى عن الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه نهيا مطلقا، والشرط لا يسقط بالنسيان كطهارة المصلي.
فلو صلى إنسان بغير وضوء ناسيا وجب عليه الإعادة، فكذلك الذبيحة لا تحل إذا نسي الذابح أن يسمي الله عليها.
ولا يأثم الذابح بترك التسمية ناسيا لقوله تعالى ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ولكن الذبيحة لا تحل للآكل.
وليس في هذا إضاعة للمال، بل هو طاعة لله، كالزكاة نخرجها طاعة ولا نعتبرها ضياعا للمال بل نماء وبركة.
ومن نسي التسمية مرة وحرم من ذبيحته فإنه سيتعلم الدرس ولن ينساها أبدا في المستقبل حرصا على ماله وحلاله.
ويستثنى من شروط الذبح الحيوان غير المقدور عليه كالبعير الشارد، فإنه يحل بطعنه أو رميه بالرصاص في أي موضع.
ومن الإحسان المأمور به في الحديث قوله وليحد أحدكم شفرته، أي ليجعل سكينه حادة تقطع بقوة وسهولة تامة.
فيمسحها بالمبرد أو الحجر لتكون سريعة القطع، ولا يذبح بسكين كالة تعذب الحيوان قبل أن يموت وتزهق روحه.
ومن تمام الإحسان ألا يحد السكين أمام البهيمة وهي تنظر، فقد أمر النبي أن توارى الشفار عن أعين البهائم.
لأنها تدرك وتخاف، وربما هربت إذا رأت السكين تحد أمامها، وهذا من أعظم أشكال الرحمة في الشريعة الإسلامية.
ثم قال وليرح ذبيحته، وإراحتها تكون بسرعة الذبح وتسهيل خروج الروح، ومن ذلك إطلاق قوائمها بعد الذبح.
فيستحب أن يضع الذابح رجله على صفحة عنق البهيمة، ويترك قوائمها الأربع مطلقة لتضطرب براحة وتفرغ دمها.
فالحركة والاضطراب يساعدان على خروج الدم بسرعة، ولا يجوز تقييدها أو البروك عليها بقوة فإن ذلك يعذبها.
وبعض الناس يكسر عنق الذبيحة فور ذبحها لتموت بسرعة، وهذا خطأ وإيلام شديد لا حاجة له بل يتركها حتى تهمد.
إن هذا الحديث يؤسس لقاعدة عامة تتجاوز حدود القتل والذبح، لتمتد إلى كل تصرفات المسلم في حياته اليومية.
فالإحسان مطلوب في توجيه الضال وتدليله على الطريق، ومطلوب في إطعام الجائع، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
حتى في تأديب الأبناء والزوجات، يجب أن يكون التأديب مبنيا على الإحسان والرفق لا على العنف والقسوة والتشفي.
فقد أباح الشرع ضرب الزوجة الناشز ضربا غير مبرح لا يكسر عظما ولا يشين لحما، لتأديبها وإصلاح حالها فقط.
أما الضرب المبرح العنيف فهو محرم شرعا، وإذا مات المضروب بسببه فإن الضارب يضمنه ويعاقب على جنايته.
وهكذا تتجلى عظمة الإسلام في إحاطة الإنسان بسياج من الإحسان في كل أحواله، حاكما ومحكوما، قويا وضعيفا.
فالإحسان هو روح العمل، وهو الذي يضفي على الشريعة طابع الجمال والكمال الذي لا يوجد في أي نظام بشري.
ومن أتقن عمله وأحسن فيه، أحبه الله تعالى كما في الحديث إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه.
إن كتابة الله للإحسان على كل شيء تعني أن المسلم مطالب بالرقي المستمر في كل شؤونه وتصرفاته وعلاقاته.
فلا يكتفي بأداء الحد الأدنى من الواجبات، بل يسعى للكمال والإتقان، مستشعرا مراقبة الله له في كل لحظة.
وهذه هي درجة الإحسان العظمى التي ذكرها النبي في حديث جبريل أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
وبهذه المراقبة الدائمة يمتنع المسلم عن الإساءة لأي مخلوق، سواء كان إنسانا أو حيوانا أو جمادا مسخرا لمنفعته.
وكلما زاد إحسان العبد للخلق، زاد إحسان الخالق إليه، فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان، والله يحب المحسنين.
نسأل الله العظيم أن يكتبنا في ديوان المحسنين، وأن يعيننا على إحسان عبادته، وإحسان معاملة خلقه أجمعين.
وأن يرحم ضعفنا، ويتجاوز عن تقصيرنا، وأن يعاملنا بإحسانه وفضله لا بعدله، إنه جواد كريم رؤوف رحيم.
وصلى الله وسلم وبارك على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.