جارٍ التحميل...

جارٍ التحميل...
يروي هذا الحديث الصحابيان الجليلان أبو ذر جندب بن جنادة وأبو عبد الرحمن معاذ بن جبل.
وهو من الأحاديث العظيمة التي جمعت بين حق الخالق جل جلاله وحقوق المخلوقين والعباد.
فقول النبي صلى الله عليه وسلم اتق الله معناه اتخذ وقاية من عذاب الله وغضبه وعقابه.
وهذه الوقاية إنما تتحقق بفعل الأوامر التي أمر الله بها، واجتناب النواهي التي حذر منها.
وقوله حيثما كنت يعني في أي مكان وزمان، سواء كنت في العلانية أمام الناس أو في السر.
فالمؤمن الحقيقي هو الذي يراقب ربه في خلوته كما يراقبه في جلوته، ولا يجعل الله أهون الناظرين إليه.
فالتقوى هي المعيار الحقيقي الذي توزن به الأعمال، وبها تتفاضل منازل العباد عند ربهم.
ولذلك كانت التقوى هي وصية الله للأولين والآخرين من خلقه، وهي طوق النجاة في الدنيا والآخرة.
وقد يتساءل المسلم أيهما أفضل في فعل الطاعات وترك المعاصي، الإسرار بها أم إعلانها للناس؟
والجواب أن في ذلك تفصيلا دقيقا، فإن كان إظهار التقوى يحصل به التأسي والاتباع فهو أفضل.
فالذي يظهر الطاعة ليقتدي به غيره كمن يسن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة.
أما إذا كان الإظهار لا يترتب عليه فائدة للغير، فإن الإسرار بالطاعة أفضل وأبعد عن الرياء.
ولهذا مدح النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الذي تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه.
وكذلك في ترك المعاصي، فمن دعي إلى محرم علنا كمعاملة ربوية، فالأفضل أن يعلن رفضه ليقتدى به.
وإذا كان المسلم في مكان لا يليق كدور المياه، فإنه يمتثل أوامر الله بقلبه ولا يتلفظ بلسانه.
فالقلب هو محل التقوى، ومنه تنبعث إرادة الخير والامتثال الصادق لأوامر الشريعة المطهرة.
ثم انتقل النبي إلى الوصية الثانية فقال وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وهذا من عظيم فضل الله.
فالإنسان مجبول على الخطأ والتقصير، فإذا وقع في سيئة وجب عليه أن يتبعها بحسنة لتمحوها.
وقد اختلف العلماء هل المراد بالحسنة هنا خصوص التوبة أم أنها تشمل عموم الأعمال الصالحة.
والصواب الذي تدل عليه النصوص أن كل حسنة تمحو السيئة وإن لم تكن توبة خالصة لعين الذنب.
مصداقا لقول الله تعالى إن الحسنات يذهبن السيئات، وهذا من سعة رحمة الله وعظيم كرمه بعباده.
فقد سأل رجل النبي عن إصابته من امرأة قبلة ومقدمات دون الزنا، فبين له أن صلاته معهم تمحو خطيئته.
وهذا العفو والمحو لا يشترط فيه أن ينوي العبد بحسنته محو سيئة بعينها، بل الفضل أوسع من ذلك.
فمجرد فعل الحسنات والمداومة عليها يذهب السيئات ويغسل صحيفة العبد من دنس الذنوب والخطايا.
والوصية الثالثة في الحديث هي قوله وخالق الناس بخلق حسن، وهي وصية جامعة لآداب التعامل.
فبعد أن أمره بإصلاح ما بينه وبين الخالق، أمره بإصلاح ما بينه وبين المخلوقين بحسن الخلق.
والخلق هو الصفة الباطنة المستقرة في النفس، بينما الخَلْق هو الصفة الظاهرة في الصورة والجسد.
وقد فسر العلماء الخلق الحسن بأنه يجمع خصال الخير كلها ككف الأذى عن الناس وبذل الندى لهم.
فالمسلم مطالب بأن يكف شره ولسانه ويده عن إخوانه، وهذا أضعف مراتب حسن الخلق المطلوبة.
ومطالب بأن يبذل ماله وجاهه وعلمه ونفعه للناس، وأن يصبر على أذاهم ويقابل الإساءة بالإحسان.
ومن أعظم علامات حسن الخلق طلاقة الوجه والبشاشة عند اللقاء، فهي تزرع المودة وتزيل الجفاء.
وضابط ذلك قوله تعالى خذ العفو وأمر بالعرف، أي اقبل من الناس ما تيسر من أخلاقهم وتجاوز عن زلاتهم.
والخلق الحسن قد يكون هبة ربانية وطبيعة فطرية جبل الله عليها بعض عباده منذ ولادتهم.
وقد يكون صفة مكتسبة ينالها الإنسان بالتدريب والمجاهدة وترويض النفس على معالي الأمور.
فقد قال النبي لأشج عبد القيس إن فيك لخلقين يحبهما الله الحلم والأناة، فسأله هل جبل عليهما أم تخلّق.
فأخبره النبي أن الله جبله عليهما، فحمد الله الذي جبله على ما يحب، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء.
ولكن من لم يرزق خلقا فطريا، فإنه مأمور بأن يمرن نفسه ويكتسب الأخلاق الفاضلة بالممارسة.
فالحلم بالتحلم، ومن يتصبر يصبره الله، والعادة إذا استقرت في النفس تحولت إلى طبع أصيل.
والعجيب أن حسن الخلق يعود نفعه على صاحبه أولا، فيكسبه راحة البال وطمأنينة القلب وهدوء النفس.
فالسيء الخلق يعيش في شقاء دائم ونزاع مستمر مع من حوله، بينما صاحب الخلق يعيش في سلام ووئام.
وقد يتوهم البعض أن حسن الخلق يعني الضعف والتنازل الدائم عن الحقوق والسكوت عن الباطل.
والحقيقة أن معاملة الناس تقتضي الحكمة، فلكل مقام مقال، ولكل حالة ما يناسبها من التصرف.
فإذا كانت المصلحة تقتضي الحزم والقوة والشدة في بعض المواقف، فإن ذلك لا ينافي حسن الخلق.
وإذا كانت المصلحة في اللين والرفق والتسامح، فهو الأصل الذي ينبغي أن يسير عليه المسلم دائما.
وإذا تردد الإنسان بين استعمال الشدة أو استعمال اللين، فالأرجح والأفضل هو اختيار اللين والرفق.
لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف.
وقد وجه النبي أم المؤمنين عائشة للرفق حين ردت على اليهود بشدة عندما دعوا على النبي بالموت.
فأرشدها إلى أن ترد عليهم بهدوء ورفق دون شتم أو لعن، لأن الرفق ما كان في شيء إلا زانه وجمله.
إن الجمع بين هذه الوصايا الثلاث يمثل المنهج المتكامل لبناء شخصية المسلم السوية والمستقيمة.
فالتقوى تصلح الباطن وتطهر القلب من أمراض الشبهات والشهوات وتربط العبد بخالقه ومولاه.
واتباع السيئة بالحسنة يضمن تدارك الخلل والتقصير المستمر في حياة الإنسان الذي لا يسلم من الخطأ.
فهو بمثابة الغسيل الدوري لصحيفة الأعمال، لتبقى نقية ناصعة البياض خالية من تراكم الذنوب المظلمة.
ومخالقة الناس بالخلق الحسن تضمن استقرار المجتمع الإسلامي وتماسك بنيانه وتآلف أفراده.
فالمؤمن الحقيقي ليس هو الذي يكثر من الصلاة والصيام فقط، بل هو الذي ينعكس إيمانه على سلوكه.
فالدين معاملة، وأثقل ما يوضع في ميزان العبد يوم القيامة تقوى الله وحسن الخلق كما ورد في الأحاديث.
فمن جمع بين هذه الخصال فقد استكمل أسباب النجاة، وفاز برضوان الله ومحبة خلقه في الدنيا والآخرة.
وينبغي على كل مسلم أن يتخذ هذا الحديث شعارا له في حياته، يطبقه في بيته وعمله وسائر شؤونه.
فيتقي الله في وظيفته ويؤدي أمانته بإخلاص، ويتقي الله في أسرته ويرعى حقوق زوجته وأولاده بصدق.
وإذا زل في حق ربه بادر فورا لفعل الطاعات كالصلاة والصدقة والاستغفار ليمحو أثر تلك الزلة.
ويقابل جيرانه وزملاءه بوجه طلق، ويتجاوز عن هفواتهم، ويعذرهم في تقصيرهم قدر استطاعته.
وبهذا السلوك الراقي تتجسد صورة الإسلام المشرقة، ويكون المسلم داعية لدينه بأفعاله قبل أقواله.
فأكثر ما أدخل الناس في دين الله عبر التاريخ هو ما رأوه من أخلاق المسلمين وأمانتهم وصدقهم.
نسأل الله العلي القدير أن يرزقنا تقواه في السر والعلن، وأن يجعلنا ممن تمحى سيئاتهم بحسناتهم.
وأن يهدينا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا هو، وأن يصرف عنا سيئها لا يصرف سيئها إلا هو.