جارٍ التحميل...

جارٍ التحميل...
عن أبي ذر رضي الله عنه أن أناسا من فقراء الصحابة جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتكون حالهم.
لم تكن شكواهم من الفقر والجوع، ولم يكونوا معترضين على قضاء الله وقدره في توزيع الأرزاق والأموال بينهم.
ولم يحملوا في قلوبهم حسدا للأغنياء على ما آتاهم الله من فضله، فالصحابة أطهر الناس قلوبا وأنقاهم سريرة وروحا.
وإنما كانت شكواهم نابعة من رغبتهم الصادقة في التنافس في ميادين الخير، وحرصهم على بلوغ أعلى الدرجات العلى.
فقالوا يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور، والدثور هي الأموال الكثيرة، والأجور هي الثواب الجزيل من الله.
فقد لاحظوا أن الأغنياء يشاركونهم في الأعمال البدنية كالصلاة والصيام، ولهم فضل أموال يتصدقون بها على الفقراء.
فشعروا بنقص في موازينهم لعدم قدرتهم على الصدقة المالية، فطلبوا من النبي أن يدلهم على عمل يعوضهم هذا الفضل.
وهذا يجسد علو همة الجيل الأول، حيث كانت غايتهم الكبرى هي جمع الحسنات لا تكديس الدرهم والدينار الفاني.
فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم شكواهم النبيلة، أراد أن يوسع لهم مفهوم الصدقة الذي حصروه في المال فقط.
فقال لهم أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به؟ ففتح لهم أبوابا واسعة من الخير المتاح لكل إنسان عاجز عن النفقة.
وبين لهم أن الشريعة الإسلامية لم تقصر أعمال البر على الأغنياء، بل جعلت فضل الله مشاعا بين عباده الطالبين للحق.
فبين لهم أن الذكر صدقة، فقال إن بكل تسبيحة صدقة، فإذا نزه العبد ربه بقول سبحان الله كتبت له صدقة جارية.
وكل تكبيرة صدقة، فقول الله أكبر تعظيما للمولى يعد في ميزان الشرع صدقة يتقرب بها الفقير إلى غنيه العظيم.
وكل تحميدة صدقة، فقول الحمد لله اعترافا بالنعم صدقة، وكل تهليلة صدقة، فقول لا إله إلا الله صدقة مقبولة.
وهذه الكلمات الطيبات لا تكلف العبد جهدا بدنيا أو ماليا، ومع ذلك تملأ ميزانه وتجعله في مصاف المتصدقين الكبار.
فإذا رطب المسلم لسانه بذكر الله طوال يومه، فقد تصدق بصدقات لا يحصيها العد، وسبق بها كثيرا من الأغنياء.
ثم انتقل النبي إلى نوع آخر من الصدقات المتعدية النفع فقال وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن منكر صدقة عظيمة.
فإرشاد الناس للخير وتذكيرهم بالصلاة والبر هو من أعظم الصدقات التي تنشر الفضيلة في أوساط المجتمع المسلم.
ولكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتطلب شروطا دقيقة يجب أن تتوفر في الآمر والناهي ليكون عمله صحيحا.
فأولها العلم، فلا يجوز أن يأمر المرء بما يجهل، أو ينهى عن شيء وهو لا يعلم هل هو محرم شرعا أم لا في الشرع.
وثانيها التثبت من وقوع المخالفة، فلا يتسرع في الإنكار قبل أن يعلم أن الشخص قد ترك الواجب أو فعل المحرم.
فقد يكون للمسلم عذر شرعي، كمن يأكل في نهار رمضان وهو مسافر، فلا ينكر عليه حتى يعلم حقيقة حاله وعذره.
وثالثها أن لا يؤدي الإنكار إلى منكر أعظم منه، فإن غلب على الظن وقوع مفسدة أكبر حرم الإنكار حينئذ درءا للفتنة.
فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وهذا يتطلب فقها عميقا ووعيا كاملا بمقاصد الشريعة وأحوال الناس المتغيرة.
ولم يكتف النبي بالعبادات والأذكار، بل أدخل العادات الطبيعية في باب الصدقات فقال وفي بضع أحدكم صدقة مأجورة.
والبضع كناية عن الجماع وإتيان الرجل أهله، فجعل النبي تلبية هذه الشهوة الفطرية في الحلال صدقة يثاب عليها الزوج.
فتعجب الصحابة من هذا القول واستفهموا مستغربين فقالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر وثواب؟
فهم لم يعترضوا، بل أرادوا أن يفهموا الحكمة وكيف يتحول الاستمتاع وتلبية غريزة النفس إلى طاعة وقربة لله.
فأجابهم النبي بأسلوب الإقناع العقلي الرائع، واستخدم ما يسمى في أصول الفقه بقياس العكس ليوضح الفكرة لهم.
فقال أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكما أن الزنا يجلب الإثم والعقاب الشديد من الله الديان.
فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر، لأن الاكتفاء بالحلال المباح هو في حقيقته ابتعاد عن الحرام المحظور.
فمن عف نفسه وأهله، وقصد الزواج لإغناء نفسه عن الحرام، انقلبت عادته إلى عبادة يؤجر عليها عند الله يوم القيامة.
وهذا الحديث يبرز شمولية الإسلام العظيمة، حيث يجعل من كل حركة وسكنة للمسلم مجالا لكسب الأجر والثواب.
فلا توجد في الإسلام رهبانية تفصل بين الدين والدنيا، أو تعتبر الاستمتاع بالطيبات يتنافى مع التدين والتقوى.
بل إن إعطاء الجسد حقه من الراحة والطعام والزواج، مع استحضار نية التقوي على طاعة الله، هو من صميم العبادة.
فالمسلم الذي يعمل ويكدح ليطعم أبناءه ويغنيهم عن سؤال الناس، هو في عبادة مستمرة وجهاد مأجور عند الله.
والزوجة التي ترعى بيتها وتحسن التبعل لزوجها، تنال بذلك أجور المتصدقين المجاهدين في سبيل الله صابرة محتسبة.
فالنية الصالحة هي الإكسير الذي يحول تراب العادات إلى ذهب العبادات، ويجعل الحياة كلها محرابا للطاعة والإنابة.
وهذا يرفع من معنويات المسلم، ويجعله يعيش في طمأنينة وسعادة، لعلمه أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا متقبلا.
فلا يأس مع قلة المال، ولا إحباط مع ضيق ذات اليد، فأبواب الصدقة مفتوحة لا تغلق في وجه من أخلص النية لربه.
ومن فوائد الحديث أن الصحابة كانوا لا يسكتون عن إشكال يعرض لهم في الفهم، بل يسارعون بسؤال النبي عنه فورا.
وهذا يدل على حرصهم على جلاء المعاني واستيعاب مقاصد الأحكام، لتكون عباداتهم مبنية على بصيرة وفهم ويقين.
ويستنبط من هذا أن كل ما يتعلق بأمور الدين ولم يسأل عنه الصحابة في عهد الوحي، فالسؤال عنه يعتبر بدعة وتكلفا.
كالتعمق في كيفية صفات الله عز وجل، أو التفتيش عن تفاصيل غيبية لم يرد بها نص صريح في الكتاب والسنة المطهرة.
فالتنطع في الأسئلة يذم، أما السؤال للاسترشاد والعمل فهو محمود ومطلوب لرفع الجهل عن النفس وعن الآخرين أجمعين.
فالدين قد اكتمل، وما ترك النبي خيرا إلا دل الأمة عليه، وما ترك شرا إلا حذرها منه تحذيرا بالغا جليا لا لبس فيه.
فالواجب علينا الاتباع والتسليم، وتوجيه العقول للتفقه في المأثور بدلا من تضييع الأوقات في فرضيات لا تنفع البتة.
وهذا المنهج يحمي المسلم من الانزلاق في متاهات الجدل العقيم الذي يورث قسوة القلب والفرقة بين المسلمين المتحابين.
إن منهج القياس الذي استخدمه النبي في هذا الحديث يعد من أهم مصادر الاستنباط التي اعتمد عليها الفقهاء الكرام.
فالقياس يربط الأحكام بعللها، ويجعل الشريعة مرنة وقادرة على استيعاب النوازل والمستجدات في كل عصر ومصر وحين.
وقد استخدم النبي هنا قياس العكس لإثبات الحكم، فبين أن التضاد في الأفعال يقتضي التضاد في الجزاء والمآل حتما.
فإذا كانت الشهوة المحرمة توجب العقاب، فإن تلبية ذات الشهوة في الإطار المباح توجب الثواب من باب أولى وأحرى.
وهذا القياس المنطقي البديع أزال الاستغراب من نفوس الصحابة، وجعلهم يدركون سعة رحمة الله وحكمته البالغة لهم.
ويعلمنا هذا الأسلوب النبوي كيف نحاور الآخرين ونقنعهم بالحجج العقلية الواضحة التي توافق الفطرة السليمة المستقيمة.
فالداعية الناجح هو الذي يبسط المعاني العميقة، ويقربها للأذهان بضرب الأمثلة الواقعية والمقاييس الجلية المفهومة.
ليقتنع السامع وينشرح صدره للحق، ويكون أدعى لثباته على المنهج واستمراره في طريق الدعوة والإصلاح الشامل.
وخلاصة هذا الحديث أن التنافس في الخيرات ليس حكرا على طبقة معينة أو محصورا في قدرة مالية خاصة أو جاه عريض.
فكل مسلم، مهما كانت ظروفه، يستطيع أن يكون في قوافل السابقين المقربين إذا استثمر وقته في الذكر والطاعة المخلصة.
فالفقير بصدق نيته وكثرة ذكره قد يسبق الغني الذي غفل عن ربه واغتر بماله ولم يؤد حقه في وجوه الخير والإحسان.
والعبرة ليست بصورة العمل وحجمه المادي، بل العبرة بما وقر في القلب من إخلاص وإنابة ومحبة لله عز وجل الخالق.
فكم من درهم سبق مائة ألف درهم، وكم من تسبيحة خفية في جوف الليل رجحت بجبال من أعمال البر الظاهرة للعيان.
فعلى المسلم أن لا يحتقر من المعروف شيئا، وأن يسلك كل درب يوصله إلى مرضاة الله ومغفرته الواسعة العظيمة.
نسأل الله أن يوفقنا لذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يجعل أعمالنا كلها صالحة ولوجهه الكريم خالصة لا شريك له.
وأن يفتح لنا أبواب الخير، ويغنينا بحلاله عن حرامه، وبفضله عمن سواه، إنه سميع قريب مجيب الدعوات وصلى الله وسلم.