جارٍ التحميل...
جارٍ التحميل...
قصة أصحاب الأخدود جاءت في السنة بتمام تفاصيلها بينما أجملها القرآن في سورة البروج بشكل بليغ. السنة النبوية تبين المجمل من القرآن الكريم ولا يمكن للمسلم الاستغناء بأحدهما عن الآخر في الفهم. القصة ليست للعبرة التاريخية فحسب بل تهدف لإحداث تغيير حقيقي في الفكر والسلوك والعقيدة لدى المؤمن. العبرة في استقبال القصص النبوي هي مدى التغيير الذي يطرأ على حياتك بعد سماع هذه المعاني. القرآن الكريم ركز على الأصول والكليات بينما توسعت السنة في ذكر دقائق الأحداث وتفاصيل المواقف والأسماء. منهج التربية بالقصص هو أسلوب نبوي فعال استهدف بناء أجيال الصحابة على معاني الصبر والتوحيد الخالص.
كل ملك ظالم يحتاج في ترسيخ ملكه إلى أدوات الخداع والبطش والساحر هنا يمثل الخداع. تعاون رؤوس الشر في التاريخ يظهر في العلاقة الوطيدة بين الملك الطاغية والساحر المضلل للناس. الطاغوت هو اسم جامع لكل من تجاوز حد العبودية ونسب لنفسه أفعال الرب سبحانه وتعالى بجهل. الساحر في هذا الزمان يشبه الآلات الإعلامية التي تزيف الحقائق وتزين الباطل في عيون عامة الناس. تزييف الوعي هو الوظيفة الأساسية التي يقوم بها السحرة في كل زمان لضمان ولاء الشعوب للظلم. إذا تعاون أهل الباطل على شرهم فنحن أولى بالتعاون والوحدة لنصرة الحق ومحاربة كل أنواع الفساد.
حرص الساحر على تعليم الغلام عندما كبر يكشف رغبة أهل الشر في توريث باطلهم للأجيال القادمة. أهل الباطل يختارون الأنسب والأقوى لضمان استقرار شرهم واستمراره أطول فترة ممكنة بعد رحيلهم عن الدنيا. الساحر يريد أن يظل في المقدمة ويورث هذا الشر قرب موته لضمان بقاء ذكره في المنظومة. يجب على أهل الحق أن يكونوا أحرص الناس على توريث الخير وصناعة الكوادر الدعوية منذ البداية. اختيار الغلام الصغير دليل على ذكاء أهل الباطل في استهداف القلوب القوية التي تعيش زمناً طويلاً. الدعوة الفردية وبناء الأفراد هي التي تضمن بقاء المنهج واستمراره وتأثيره الحقيقي في تغيير واقع المجتمعات.
الغلام كان صفحة بيضاء وفطرته السليمة هي التي دفعته للانجذاب نحو كلام الراهب ونور التوحيد. الفطرة هي الرصيد الأهم الذي يجب أن يعمل عليه الدعاة لأنها تخاطب أصل خلقة الإنسان السوية. آلات الحق قد تبدو ضعيفة أمام بريق الباطل لكنها دائماً تكسب لأنها تتوافق مع فطرة العباد. الراهب لم يزهد في الغلام رغم أنه فرد واحد بل بذل فيه كل جهده وتعليمه ورعايته. التغيير الحقيقي يبدأ دائماً من القاع وبناء الأفراد وليس شرطاً أن يبدأ من قمة الهرم السلطوي. الأمة لا تتغير بالدروس العامة وحدها بل بالتركيز على قلة مؤمنة توجه لها كامل العناية والتربية.
الصراع في قلب الغلام انتهى بموقف الدابة العظيمة التي حبست الناس وقطعت عليهم سبل مرورهم. قرر الغلام اختبار الحقيقة باللجوء إلى الله بالدعاء واليقين التام في قدرة الخالق سبحانه وتعالى. قتل الدابة بحجر صغير كان كرامة من الله ليثبت الغلام على أن أمر الراهب هو الأحب. الكرامة هي أمر خارق للعادة يجريه الله على يد ولي صالح للتثبيت أو إقامة الحجة القوية. تعلم الغلام من الراهب أن الله سميع قدير يستجيب لدعاء المضطرين وينصر أولياءه في مواقف الشدة. هذا الموقف العملي نقل الغلام من مرحلة سماع الحق إلى مرحلة اليقين والمشاهدة لآثار قدرة الله.
تجرد الراهب ظهر بوضوح حين قال للغلام (أنت اليوم أفضل مني) دون كبر أو شعور بالعظمة. المربي الحقيقي هو الذي يفرح بتفوق تلميذه عليه ولا ينسب لنفسه فضل صناعة هذا الشخص المميز. الراهب تخلص من آفة (أنا خير منه) وأقر بأن الغلام وصل لمرتبة عالية بصدق إقباله وتوفيق ربه. العبرة في طريق السير إلى الله هي بصدق القلوب وإخلاصها وليس بمجرد طول السنين أو كثرة العمل. الراهب كان صريحاً مع الغلام منذ البداية حين أخبره بحتمية الابتلاء في طريق الدعوة إلى الله. لم يخدع الراهب تلميذه بوعود وردية بل وطنه على الصبر والتحمل لمواجهة ما قد يطرأ من محن.
وصية الراهب للغلام بألا يدل عليه عند الابتلاء تعكس فقه حماية الدعوة والحرص على الكتمان اللازم. المسلم لا يطلب البلاء ولا يتمناه ولكن إذا نزل به وجب عليه الصبر والثبات والاعتصام بالله. الراهب أراد للغلام أن يحمي نفسه من الفتنة التي قد تفوق طاقته في بداية مشوار الاستقامة الصعب. الطريق إلى الله محفوف بالمكاره والاختبارات التي تميز الصادق من الكاذب في دعوى الإيمان واليقين. ثبات الغلام في المواقف القادمة سيكون ثمرة لتلك التربية العميقة التي غرسها الراهب في قلبه الصغير. ختاماً فإن قصة الغلام والراهب تعلمنا أن بناء الفرد هو حجر الزاوية في نهضة الأمم واستعادة عزها.