جارٍ التحميل...
جارٍ التحميل...
بدأت المحنة الكبرى حين واجه الملك جليسه والراهب وعرض عليهما الرجوع عن دينهما. تجلى الثبات في أبهى صوره حين رفضا التنازل عن التوحيد رغم التهديد بالموت البشع. وُضع المنشار في مفرق رأس الراهب فشق به جسده حتى وقع شقاه على الأرض. نال جليس الملك نفس المصير الصعب بعد أن رفض الانصياع لأوامر الملك الظالم بالردة. يظهر هذا المشهد أن الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب استرخص المؤمن حياته لأجل ربه. دماء الشهداء هي التي تروي بذور الدعوة وتجعلها قوية في مواجهة عواصف الباطل والظلم.
انتقل الملك للغلام محاولاً استمالته أو إرهابه ليرجع عن دينه الذي آمن به بصدق. رفض الغلام كل التهديدات فقرر الملك قتله بوسائل متنوعة لإنهاء أثره في الناس. كانت المحاولة الأولى بإرساله مع جنود فوق جبل شاهق ليرموه من فوق ذروته العالية. توكل الغلام على ربه ودعا بدعاء عظيم: "اللهم اكفنيهم بما شئت" بيقين تام وقوة. اهتز الجبل وسقط الجنود جميعاً وعاد الغلام يمشي للملك في تحدٍ واضح وصريح لقدرته. تكررت المحاولة في عرض البحر فغرق الجنود وعاد الغلام سالماً ببركة دعائه وتوكله الصادق.
أدرك الغلام أن موته الشخصي سيكون هو المفتاح الحقيقي لهداية آلاف البشر للتوحيد. عرض الغلام على الملك الطريقة الوحيدة التي تمكنه من قتله وإيقاف معجزاته المستمرة للناس. اشترط الغلام أن يجمع الملك الناس في صعيد واحد ويصلبه على جذع شجرة أمامهم. طلب منه أن يأخذ سهماً من كنانته ويقول بوضوح: "باسم الله رب الغلام" ثم يرميه. هدف الغلام كان ربط الناس بالرب الحقيقي وليس بشخص الغلام أو قدراته الخاصة المحدودة. هذه التضحية الواعية تعكس فقه الدعوة العميق وتقديم مصلحة الدين العليا على حياة الفرد.
نفذ الملك شروط الغلام ظناً منه أنه تخلص أخيراً من هذا التهديد الذي يواجهه. نطق الملك بكلمة التوحيد أمام الجموع وأصاب السهم صدغ الغلام فمات بسلام وطمأنينة. صرخ الناس جميعاً في وقت واحد: "آمنا برب الغلام" في مشهد زلزل أركان الملك. تحول مقتل الغلام إلى أكبر انتصار للدعوة حيث آمنت الأمة كلها بدين الله الحق. حقق الغلام بدمه ما لم يستطع تحقيقه في حياته من نشر التوحيد في كل مكان. الله عز وجل دبر هذا المشهد العظيم ليظهر عجز الطغيان أمام قوة الإيمان والصدق واليقين.
اشتد غضب الملك حين رأى خروج الأمر عن سيطرته وإيمان الناس جميعاً برب الغلام. أمر الملك بحفر أخاديد عظيمة في أفواه السكك وأضرم فيها النيران الكبيرة والملتهبة جداً. هدد الملك الناس بالإلقاء في النار إن لم يرجعوا عن دينهم الجديد الذي آمنوا به. تسابق المؤمنون للإلقاء في النار بصبر وثبات عجيب يقينًا منهم بصدق ما هم عليه. لم ينثنِ أحد من الناس عن إيمانه رغم بشاعة المنظر وحرارة النيران التي تأكل الأجساد. سطر هؤلاء المؤمنون أروع ملحمة في تاريخ البشرية في الصمود أمام آلات البطش والظلم.
جاءت امرأة تحمل طفلها الرضيع وترددت للحظة بسيطة عند رؤية النار تتأجج أمام عينيها. أنطق الله الرضيع بمعجزة خالدة ليثبت أمه في تلك اللحظة الحرجة والصعبة من حياتها. قال الطفل بلسان فصيح: "يا أماه اصبري فإنك على الحق" فقفزت في النار فوراً. هذا التثبيت الرباني هو رسالة لكل مؤمن بأن المعونة تأتي دائماً على قدر حاجة العبد. الصبر على الحق هو الفوز الأبدي والنجاة الحقيقية حتى لو كان الثمن هو الموت. اعتصام الأم بكلام رضيعها أثبت أن اليقين بالله يذهب الخوف ويجعل الصعاب تبدو يسيرة جداً.
الفوز الحقيقي في ميزان الله هو الثبات على الدين والمبادئ حتى النفس الأخير للعبد. ليس النصر دائماً في الانتصار العسكري بل قد يكون في موت المؤمن على كلمة التوحيد. قصة أصحاب الأخدود ترسخ مفهوم الصبر والاحتساب والرضا بقدر الله في أحلك الظروف البشرية. انتهت حياة المؤمنين في الدنيا وبدأ نعيمهم الأبدي في جنات النعيم التي وعدهم الله بها. بطش الله بالظالمين شديد وهو سبحانه وتعالى لا ينسى دماء أوليائه الصالحين والموحدين المخلصين له. ختاماً فإن هذه القصة هي وقود للمؤمنين في كل زمان ومكان للثبات على الحق دائماً.