جارٍ التحميل...
جارٍ التحميل...
تبرز قصة الأساطير الثلاثة أن أنجح الوسائل لحل الأزمات هي التقرب إلى الله بالأعمال الصالحة الخالصة. الإخلاص هو القوة الدافعة التي تضمن بقاء العمل وأثره ممتداً عبر الأجيال والقرون المتلاحقة ببركة الله. العامل المشترك بين هؤلاء الرجال هو أن أعمالهم كانت خفية عن الناس ومعلومة للخالق وحده سبحانه. عندما يخلص العبد قلبه لله فإن نواميس الكون تسخر لأجله وتلين له الصعاب والمستحيلات بأمر ربه. الصخرة التي سدت فم الغار هي رمز لكل الهموم والمنغصات الكبيرة التي تقابلنا في حياتنا المعاصرة. الفوز الحقيقي ليس في صورة العمل الظاهرة بل في مستوى الصدق واليقين الكامن في طوايا القلوب.
اختار الرجل الأول أن يتوسل ببره الفائق بوالديه كأرجى عمل يقدمه للنجاة من كربه العظيم وضيق الغار. بر الوالدين عمل يندر أن يدخله الرياء لأنه يحدث غالباً في الدائرة الأسرية الضيقة والمغلقة تماماً. صبر الرجل ووقوفه بالقدح عند رؤوس والديه يظهر مستوى عالياً من توقير الكبير وإنكار الذات الصادق. قدم مصلحة والديه على جوع أطفاله وحاجة جسده للراحة ضارباً أروع أمثلة الإيثار والتضحية الإيمانية. هذا الثبات على الخلق لم يكن وليد اللحظة بل نتاج عمر من العادات الصالحة والنيات الراسخة. البر الحقيقي هو التفنن في إرضاء الوالدين واختيار الألفاظ اللطيفة والتأدب معهما قبل طلب أي مساعدة.
استعرض الرجل الثاني مجاهدته لشهوته القوية كدليل على خوفه من مقام ربه ومراقبته له في الخفاء. ترك الحرام مع القدرة عليه أشق على النفس من فعل الطاعات التي يشترك فيها عامة الناس. كانت كلمة اتق الله بمثابة صدمة إيمانية أيقظت ضميره في قمة لحظات الفتنة والضعف البشري القاتل. تركه للمعصية بعد بذل الجهد والمال في سبيلها هو البرهان الأكبر على صدق توبته وإقباله لله. الحدود الاجتماعية مع الأقارب يجب أن تحاط بالحذر الشديد لمنع الانزلاق في كبائر الذنوب والآثام الموبقة. من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه ببرد اليقين في الدنيا وعظيم الأجر في دار الآخرة.
قدم الرجل الثالث نموذجاً فريداً في الأمانة من خلال تنمية حق أجير غادر وترك أجره الزهيد ومضى. لم يكتف بحفظ المال بل عامله كأمانة مقدسة واستثمره حتى صار ثروة طائلة وعظيمة جداً بمرور الوقت. سلم الرجل كل الثروة لصاحبها دون أن يطلب مقابلاً لجهده أو يحبس جزءاً بسيطاً لنفسه وأهله. هذا المستوى من التجرد ينبع من نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق سبحانه وتعالى وحده. الأمانة في المعاملات المالية تتطلب صدقاً في النية مع حكمة ومهارة في إدارة وتنمية أموال الناس. معاملة الخلق بما تحب أن يعاملك الله به هي القاعدة الذهبية للنجاح والفلاح في الدارين أجمعين.
بقاء هؤلاء الرجال مجهولين في التاريخ يؤكد أن الشهرة بين الناس ليست شرطاً للقبول والرضا الإلهي أبداً. العمل الخفي هو الدرع الواقي للعبد من آفات الرياء وحب الظهور وطلب الثناء الدنيوي الزائل والتافه. الله يظهر الآثار الطيبة لإخلاص العبد الصادق حتى لو حاول هو إخفاءها طوال حياته عن الأعين. السر الكامن بين العبد وربه هو الذي يوفر الثبات اللازم خلال أصعب الاختبارات الروحية والفتن المظلمة. إذا كانت كل أعمالك الصالحة ظاهرة للعيان فيجب عليك مراجعة قلبك وتخصيص خبيئة سرية خالصة لله. الإخلاص الخفي هو بمثابة جذور الشجرة التي لا تُرى لكنها هي التي تحفظ البناء كله قائماً وقوياً.
تأتي الابتلاءات لحكمة إلهية وهي إظهار معادن الناس وما في قلوبهم من صبر ويقين وتوكل حقيقي. عدم تحرك الصخرة دفعة واحدة يعلمنا ضرورة الاستمرار في بذل الجهد وتكرار الدعاء بتذلل وانكسار للرب. ساهم كل واحد من الثلاثة بجزء من الحل ليعلمنا أهمية العمل الجماعي والصحبة الصالحة المعينة على الخير. الأزمة قد تكون منحة في طيها محنة لإجبار المؤمن على اكتشاف أفضل أعماله وتجريد نية قلبه. رحمة الله قريبة دائماً من المستغفرين والواثقين به وهو يجعل لهم مخارج فريدة من حيث لا يحتسبون. الهدف الأسمى من كل بلاء هو رد القلب إلى خالقه في حالة استسلام كامل ورجاء عظيم وثبات.
يجب أن يسأل كل منا نفسه عن العمل الخفي الذي سيقدمه إذا سدت صخرة الأزمات طريقه فجأة. ملهيات الحياة المعاصرة تقتل الإخلاص الخفي الذي كان القوة الضاربة لهذه الأساطير والرموز الإيمانية الخالدة بيقينها. تحويل العادات اليومية كالعمل والدراسة إلى عبادات يتطلب تجديداً مستمراً لنيات القلوب المؤمنة الصادقة والمخلصة لله. كونك مفتاحاً للخير يعني أن يخفف وجودك من هموم الآخرين لا أن يكون سبباً لضيقهم ونكدهم المستمر. تشجعنا القصة على بناء رصيد من الحسنات في الرخاء لتكون لنا ذخراً في أوقات الشدة والاضطرار. جعلنا الله من المخلصين في أقوالهم وأعمالهم والسائرين على نور الهدي النبوي الشريف في كل حين.