جارٍ التحميل...
جارٍ التحميل...
تتجلى في هذه القصة معاني التوكل الحقيقي الذي يجمع بين الأخذ بالأسباب وتفويض الأمر لله. الصدق مع الله في النوايا هو المحرك الأساسي الذي سخر البحر والخشبة لتوصيل الأمانة لصاحبها. لم يكن هذا الرجل مجرد مقترض للمال بل كان صاحب عقيدة راسخة في كفاية الله وشهادته. القصة تثبت أن من أخذ أموال الناس وهو ينوي أداءها يسر الله له سبل السداد والوفاء. الإيمان بالوكيل والكفيل والشهيد يحول التعاملات المادية الجامدة إلى عبادة قلبية راقية تتصل بالسماء. اليقين الصادق يفتح أبواباً من المعجزات والكرامات التي لا تخضع لقوانين البشر المادية المحدودة في حياتنا.
اشترط المقرض وجود كفيل وشهيد لتوثيق الدين وضمان الحقوق المالية التي تعتبر أمانة في الأعناق. رد المقترض بكلمات هزت قلب صاحب المال حين قال: كفى بالله كفيلاً وكفى بالله شهيداً. رضي المقرض بهذا الضمان الإلهي الأعلى مما يدل على صلاح الطرفين وصدق ديانتهما في التعامل المالي. التوثيق المادي للدين أصل شرعي لكن الثقة في الله تجبر الخلل عند انقطاع السبل المادية تماماً. هذه المعاملة الراشدة تعكس مجتمعاً مترابطاً بالإيمان يجعل من الله رقيباً على عقوده وعهوده في التجارة. القرض الحسن في الإسلام ليس تجارة رابحة مادياً بل هو باب عظيم للقربى وتفريج كربات المسلمين.
خرج المقترض لتجارته وسعى بكل جهده للوفاء بالدين في موعده المحدد لكنه لم يجد مركباً. لم يستسلم للعجز بل أخذ خشبة ونقرها ووضع فيها المال وصحيفة لصاحبه في محاولة أخيرة. التوكل ليس ترك العمل بل هو بذل أقصى الجهد الممكن ثم ترك النتائج لرب العالمين وحده. خاطب ربه بلسان المفتقر المخلص الذي استودع أمانته عند من لا تضيع عنده الودائع أبداً. رمى الخشبة في البحر بيقين لا يزول أن الله الذي استشهده واستكفله سيؤدي عنه لصاحب الحق. هذه اللحظة الفارقة تمثل ذروة الإخلاص وتجريد التوكل الذي يجعل المستحيل ممكناً بتقدير الله النافذ.
في الجانب الآخر كان المقرض ينتظر عند الشاطئ وفاءً للعهد وثقةً في أخلاق أخيه وصاحب دينه. وجد الخشبة فأخذها لأهله حطباً ولم يدرِ أنها تحمل ماله الذي استأمن الله عليه في غيبه. سخر الله الأسباب ليد الرجل الأمين ليعوضه عن سمو أخلاقه في قبول كفالة الله وشهادته. البركة تلاحق أهل الأمانة في بيوتهم وأرزاقهم وتسوق إليهم حقوقهم من حيث لا يحتسبون ولا يتوقعون. الله شكور يجازي على الثقة به ويحفظ أموال من صدق في معاملته معه ومع عباده. استلام المال من داخل الخشبة كان برهاناً عملياً على أن الله هو خير حافظ وهو أرحم الراحمين.
جاء المقترض بالمال مرة أخرى خوفاً من ضياع الخشبة وإبراءً لذمته أمام الله ثم أمام صاحبه. هذا الحرص الشديد يظهر معدن الرجل التقي الذي لا يهنأ بمال لم يتأكد من وصوله لمستحقه. أخبره صاحب المال أن الله قد أدى عنه ما بعث به في الخشبة بكرامة باهرة. تعجب الرجل وفرح بنصر الله له وتوفيقه في أداء الأمانة بطريقة لم تخطر له على بال. الأمانة سبب للغنى والبركة والخيانة سبب للمحق والضياع والفقر في الدنيا قبل دار الآخرة. الصدق مع الله في أداء الحقوق يرفع ذكر العبد ويجعل قصته آية تتلى عبر الزمان والمكان.
المعونة تأتي دائماً على قدر النية الصالحة فمن أراد الأداء أعانه الله وسدد خطاه وبارك ماله. الأمانة تجلب الرزق وتفتح أبواب التجارة الرابحة كما حدث مع هذا الرجل الذي ربحت تجارته أضعافاً. المقرض الأمين تيسرت أموره وعاد إليه ماله بفضل تسامحه وإمهاله لأخيه المقترض عند ضيق الحال. القصة تعلمنا أن إخفاء العمل الصالح والكرامة هو ديدن الأولياء الذين يفرون من الشهرة والسمعة الدنيوية. الله الذي أدى عن صاحب الخشبة قادر على قضاء ديوننا وسترك في الدنيا والآخرة إذا صدقنا. يجب أن نربي أنفسنا على الصدق في المعاملات المالية لتكون لنا رصيداً من النور والبركة والقبول.
ختاماً فإن قصة الخشبة هي رسالة لكل مديون وكل صاحب حق بأن الله مطلع وشهيد وكفيل. لا تضيقن بك السبل طالما أن لك رباً يدبر الأمر من فوق سبع سماوات بعلم وحكمة. التزم بحدود الشرع في الأمانة والصدق وسيرى الله منك ما يسرك ويفتح لك أبواب الفرج القريب. اجعل الله شهيدك وكفيلك في كل شؤون حياتك وستجد من اللطف الإلهي ما يدهشك ويثلج صدرك. هذه القصص النبوية هي وقود لقلوبنا لتثبت على الحق والأمانة في زمن كثرت فيه الخيانة والضياع. نسأل الله أن يرزقنا كمال التوكل وحسن الأداء وجميل الوفاء بفضله وكرمه الواسع الذي لا ينفد.