جارٍ التحميل...
جارٍ التحميل...
من أمتع الأشياء أن يتعرض المؤمن مباشرة للتربية النبوية الصافية من خلال القصص. هذه القصة حكاها النبي صلى الله عليه وسلم لأفضل البشر وهم الصحابة الكرام. القصص النبوي ليس مجرد حكايات للأطفال بل هو منهج تربوي عميق للكبار والصغار. الله عز وجل يربي نبيه بالقصص والنبي يربي أصحابه بهذا الأسلوب المؤثر والجميل. التعامل السطحي مع القصص يحرمنا من استخراج كنوز العقائد والمناهج التربوية الكامنة فيها. يجب علينا أن نتلقى هذه الكلمات بيقين أنها وحي يهدف لإصلاح القلوب والسلوك.
المبدأ الأول في القصة هو أن الكون كله يسخر لمن أطاع الله بصدق. عندما كان المزارع لله كما يريد كان الله له فوق ما يتمنى ويريد. سخر الله ملكا وسحابا وجبالا ومسارات محددة للماء لتصل إلى أرض هذا العبد. الله الشكور يقبل العمل اليسير ويعطي عليه الكثير من الفضل والبركة في الدنيا. الكون كله يتفاعل مع أداء الإنسان فالسماء والأرض تبكي على المؤمن عند موته. يجب أن ندرك أن الطبيعة مأمورة من خالقها وهي تخدم من استقام على أمره.
من جعل الآخرة همه الأول كفاه الله هموم الدنيا ويسر له أسباب رزقه. المزارع في القصة كان مهتما بالصدقة كأولوية قصوى بمجرد سؤاله عن حال عمله. لا يستطيع أحد أن يتصدق بثلث ماله إلا إذا كان قلبه معلقا بالآخرة. الهم أخروي لا يتعارض أبدا مع الأخذ بالأسباب الدنيوية والعمل الجاد في الزراعة. كفى الله هذا الرجل هم سقيا الأرض وهو الهم الأكبر لكل مزارع كادح. عندما تفرغ العبد لعبادة ربه بالصدقة فرغ الله قلبه من القلق على المعاش.
البركة والرزق مرتبطان ارتباطا وثيقا بالعمل الصالح والتقوى والابتعاد عن الذنوب والمعاصي. المعصية تمحق الخير والبركة في الأرزاق والأنفس والأهلين كما أخبرنا الصادق المصدوق. الذنوب قد تكون سببا مباشرا في حرمان الإنسان من الرزق المقدر له شرعا. السقيا الحقيقية للأرض وللحياة تكون على قدر ما يقدمه العبد من طاعات لله. يجب على المسلم أن يفتش في نفسه عند ضيق الرزق ويبحث عن الخلل. الصلاح الفردي يثمر بركات من السماء والأرض تعم على الشخص وأهله ومحيطه.
العمل الصالح الخفي بين العبد وربه هو أرجى الأعمال عند الله يوم القيامة. هذا المزارع كان يعمل في صمت ولم يكن يطلب شهرة أو جاها دنيويا. الشهرة الحقيقية هي التي تكون في السماء وبين الملأ الأعلى عند الله تعالى. يجب على كل مسلم أن يجعل لنفسه خبيئة من عمل صالح لا يعلمها أحد. إخلاص النية هو الذي جعل لصوت الملك في السحابة قيمة وأثرا في الواقع. الله يدافع عن الذين آمنوا ويظهر فضلهم ولو كانوا مغمورين في نظر أهل الأرض.
العبادة في الإسلام مفهوم شامل يغطي كل جوانب الحياة من بيع وشراء وزراعة. المزارع حول عمله اليومي في الأرض إلى عبادة من خلال نية التقرب لله. إنفاق الرجل على عياله واحتساب ذلك عند الله حول العادة اليومية إلى طاعة. رد الثلث في الأرض لإصلاحها هو أيضا نوع من العبودية لله والقيام بالأمانة. لا يوجد فصل بين الدين والدنيا في حياة المسلم الرباني المتصل بخالقه دائما. الحياة كلها تصبح محرابا للعبادة إذا استحضرت النية الصالحة في كل حركة وسكنة.
التوازن هو سر نجاح هذا الرجل وسوائه النفسي في تعامله مع محصوله وأهله. الإسلام يأمر بالتوازن فلا يطغى جانب العبادة المحضة على حقوق الأهل وحاجة العمل. لولا إخراج الثلث لله لما بارك الله في الثلثين الباقيين ولما اكتمل الرزق. التخطيط للمستقبل ورد المال في الأرض لا يتنافى أبدا مع كمال التوكل على الله. التوكل الصحيح هو الأخذ بالأسباب بكل قوة مع عدم الثقة المطلقة إلا بالله. يجب أن نكون عبادا متزنين نخطط بذكاء ونعمل بجد ونفوض النتائج لرب العالمين.