جارٍ التحميل...
جارٍ التحميل...
مرحباً بكم في لقاء نتعلم فيه مباشرة من رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال قصصه العظيمة. هذه القصص النبوي تجعلنا نستشعر الأدب الرفيع في التربية والتوجيه الرباني للبشرية. لقد وصلت إلينا هذه الروايات دون تغيير لنتعلم منها الحكمة والفهم الصحيح. الصحابة الكرام كانوا يفهمون الرسائل النبوية بعقولهم الفذة وبصيرتهم العالية جداً. نحن الآن نحتاج لبذل مجهود مضاعف لاستخراج الدرر والفوائد من هذه النصوص. التربية بالقصص منهج رباني يهدف لإصلاح النفوس وبناء العقيدة الصحيحة في القلوب.
تبدأ القصة بثلاثة رجال من بني إسرائيل أراد الله أن يبتليهم ليختبر صدقهم. أرسل الله إليهم ملكاً في صورة بشرية ليسألهم عن أحب الأشياء إليهم. طلب الأبرص لوناً وجلداً حسناً وطلب الأقرع شعراً حسناً يذهب قبحهما. أما الأعمى فكان طلبه أن يرد الله إليه بصره ليبصر به الناس. مسح الملك عليهم فوهبهم الله ما تمنوا من الصحة والجمال والمنظر الحسن. الله يبتلي العباد بالخير كما يبتليهم بالشر ليرى صدق شكرهم وصبرهم.
انتقل الاختبار إلى الجانب المادي بسؤال الملك لكل واحد عن أحب المال إليه. اختار الأبرص الإبل فأعطي ناقة عشراء وبارك الله له في نتاجها العظيم. واختار الأقرع البقر فأعطي بقرة حاملاً لتنمو وتتكاثر في أرضه وماله. أما الأعمى فاختار الغنم لما فيها من السكينة التي تناسب طبيعة قلبه. بارك الله في أموالهم حتى أصبح لكل واحد منهم وادٍ من الأنعام. طول مدة النعمة قد ينسي الإنسان فضل الله عليه مما يتطلب تذكيراً مستمراً.
جاءت اللحظة الحاسمة بعودة الملك إليهم في صورته وهيئته القديمة لكل واحد منهم. تمثل الملك في صورة رجل مسكين منقطع به السبيل يطلب العون والمساعدة. سأل الملك الأبرص والأقرع بصفاتهما القديمة وباسم الله الذي أعطاهما الصحة والمال. تذكير الإنسان بأصله وحاله القديم هو اختبار لمدى اعترافه بفضل المنعم سبحانه. الحقوق الكثيرة كلمة وهمية يستخدمها البعض للتهرب من شكر النعمة وبذل العطاء. المؤمن الصادق يرى في السائل فرصة لشكر الله على ما أولاه من نعم.
سقط الأبرص والأقرع في اختبار الشكر ونسبا الفضل لأنفسهما بجحود كبير جداً. ادعيا أن المال موروث كابراً عن كابر وأنكرا نعمة الله عليهما تماماً. لم تمنعهم الحقوق الكثيرة المزعومة من جحود فضل الله ونسيان مرضهم القديم. رد عليهما الملك بالدعاء بأن يعيدهما الله لما كانا عليه إن كذبا. الجحود هو أسرع طريق لمحق البركات وسلب النعم التي أنعم الله بها. من تبرأ من أصله ومن فضل الله عليه استحق السخط والعقوبة العاجلة.
نجح الأعمى في الاختبار بامتياز حين اعترف بفضل الله عليه بصراحة وصدق. قال بملء فيه قد كنت أعمى فرد الله بصري وفقيراً فأغناني الله. سمح للسائل أن يأخذ ما يشاء ويترك ما يشاء ابتغاء وجه الله تعالى. شكر الأعمى ربه باللسان والقلب والعمل فاستحق الرضا الإلهي والبقاء للنعمة. رضِي الله عن الأعمى وبارك له في ماله وسخط على صاحبيه الخائنين للأمانة. التواضع لله وقت الغنى هو سمة الأولياء الذين يبصرون الحقائق بقلوبهم النقية.
نتعلم أن الابتلاء بالصحة والمال قد يكون أصعب من الابتلاء بالفقر والمرض. القيمة الحقيقية للإنسان تكمن في جوهره وإخلاصه لا فيما يملك من مادة. الله يعاملنا بالفضل لا بالعدل فله الحمد على ستره وحلمه الدائم علينا. يجب علينا أن نكون حامدين وشاكرين وزاهدين في كل أحوالنا وظروفنا المختلفة. السنن الربانية تمضي على الجميع ولا تحابي أحداً مهما كان شأنه أو ماله. نسأل الله أن يرزقنا قلباً كقلب الأعمى يبصر الحقيقة ويشكر النعمة دائماً.