جارٍ التحميل...
جارٍ التحميل...
نرحب بكم في لقاء جديد نتعلم فيه من هدي النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة. هذه السلسلة المباركة تجعلنا نتعامل مع الوحي غضاً طرياً كما قاله للصحابة الكرام. من أجمل الوسائل التربوية التي استعملها رسول الله في تربية الأصحاب هي القصة. تحكي القصة معانٍ عميقة وفوائد ضخمة لا يدركها إلا أصحاب الأفهام الفزة. قصة أصحاب الغار ليست مجرد حكاية للتسلية بل هي درس تربوي موجه للكبار. هدفنا اليوم هو التدبر في ثنايا هذه القصة لاستخراج العبر والدروس المنهجية.
بدأت أحداث هذه القصة بثلاثة نفر يمشون فآواهم المطر الشديد إلى غار. بينما هم بالداخل انحطت صخرة عظيمة من الجبل فسدت فم الغار تماماً. أدرك هؤلاء الرجال في محنتهم أنه لا ينجيهم إلا صالح أعمالهم لله. هذه الصخرة تمثل الهموم والغموم الجاثمة التي قد تصيب الإنسان في حياته. انطباق الصخرة كان مفاجئاً مما يوجب ضرورة إعداد رصيد من العمل الصالح. الإخلاص هو المحرك الذي جعل الله يفرج عنهم هذا الكرب العظيم والضيق.
تعلمنا القصة ضرورة أن يعرف الإنسان ربه في الرخاء ليعرفه في الشدة. التوسل بالأعمال الصالحة سبب لتفريج الكربات وهو من صميم فقه العبودية لله. العلم بالله يورث الثقة في قدرته على تحريك أصعب الصخور والهموم. الجهل بالدين قد يحرم الإنسان من خير كثير ومن أسباب النجاة المتاحة. استثمار الأوقات البينية في الطاعة هو جزء من خطة العبودية الشاملة. يجب أن يسأل كل واحد منا نفسه ما هو العمل الذي سأتوسل به؟
توسل الرجل الأول ببره العظيم بوالديه وإيثارهما على أهله ونفسه وصبيته الصغار. ظل واقفاً بالقدح عند رؤوسهما حتى طلع الفجر كراهة أن يوقظهما من نومهما. البر بالأهل نادراً ما يدخله الرياء لغياب المصلحة الدنيوية أو الحاجة للتجمل. لا بد من التفنن في إرضاء الوالدين وتقديمهما في كل مصلحة ومنفعة دنيوية. المبادرة بمساعدة الوالدين قبل طلبهما هو من كمال البر والإحسان الواجب شرعاً. العقوق يقطع طريق الجنة ويحذر منه الشرع بشدة كأعظم الذنوب والكبائر المهلكة.
أما الرجل الثاني فقد توسل بعفته وتركه للزنا مع ابنة عمه الغالية. رغم حبه الشديد لها وتمكنه منها إلا أنه خاف مقام الله عند التذكير. كلمة اتق الله نفضت الغشاوة عن قلبه في لحظة فتنة شديدة وصعبة. ترك الحرام أشق على النفس من فعل الطاعة ولذلك أجره عظيم جداً. من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه في الدنيا أو في الآخرة. الصدقة تعد من أسباب عفة المجتمع وحمايته من الانحراف والوقوع في الفواحش.
توسل الرجل الثالث بأمانته الفذة في حفظ حق أجير ترك أجره ورحل. لم يكتف بحفظ المال بل استثمره حتى صار قطيعاً من البقر ورعاتها. هذا النموذج يمثل قمة التجرد والوفاء بالحقوق المالية للآخرين ابتغاء وجه الله. الأمانة لا تكفي وحدها بل يجب أن يصحبها علم وفقه بالواقع والمعاملات. التعامل مع الناس بما تحب أن يعاملك الله به هو سر النجاة. النية الصالحة في التجارة تحولها إلى عبادة عظيمة تبارك في الرزق والمال.
من أعظم فوائد القصة هي أهمية اختيار الرفيق الصالح والناصح في الشدائد. صلاح رفيقك قد يكون سبباً في نجاتك من صخور الهموم والأزمات المستعصية. لا يضرك عدم علم الناس بك طالما أن الله يعلم إخلاصك وعملك. العبادة مفهوم شامل يغطي كافة جوانب الحياة والمذاكرة والعمل اليومي والبيع. استثمارك لأوقاتك البينية جزء من خطة العبودية ولا تنتظر الأوقات المثالية. ختاماً نسأل الله أن يرزقنا خبيئة صالحة تكون سبباً في تفريج كرباتنا.