جارٍ التحميل...
جارٍ التحميل...
قصة جريج العابد هي إحدى الروائع النبوية التي رسمت ملامح الصراع بين العبادة الفردية والمسؤوليات الاجتماعية والشرعية الواجبة. كان جريج رجلاً من بني إسرائيل تفرغ لطاعة ربه وانعزل في صومعة طينية بعيداً عن صخب الحياة وفتنها المتلاحقة. بنيت هذه الشخصية على حب الانقطاع للعبادة والرهبانية التي كانت مشروعة في أمم سابقة قبل بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. الانعزال في الصومعة يعكس رغبة صادقة في تصفية الروح والهروب من المنكرات التي كانت تفشو في مجتمعه المليء بالفتن آنذاك. التربية النبوية من خلال هذه القصة تستهدف بناء الشخصية المتوازنة التي تدرك فقه الأولويات والواجبات في المواقف الصعبة والمفاجئة. نلاحظ أن جريجاً كان يظن أن القرب من الله ينحصر فقط في السجود والركوع خلف جدران صومعته المعتزلة عن الناس.
جاءت اللحظة الفاصلة حين نادته أمه وهو قائم يصلي صلاة نافلة فتردد قلبه بين إجابة النداء العاطفي وإتمام الصلاة الروحية. قال في نفسه عبارته الشهيرة (أي رب؛ أمي وصلاتي؟) فاختار البقاء في محرابه ظناً منه أن هذا هو المسلك الأحب لله. تكرر نداء الأم لثلاثة أيام متتالية وفي كل مرة كان جريج يقدم صلاته النافلة على بر أمه الملهوفة لرؤيته والحديث معه. غضبت الأم من استبطاء ولدها ودعت عليه ألا يموت حتى ينظر في وجوه المومسات كعقاب تربوي على إهماله لحقها الشرعي. يوضح المهندس علاء حامد هنا قاعدة فقهية عظيمة وهي أن إجابة نداء الوالدين في صلاة النافلة مقدمة شرعاً على إتمامها باتفاق العلماء. وقع جريج في خطأ فقهي ناتج عن غلبة العاطفة التعبدية المجردة على العلم الشرعي الذي يضبط موازين الحقوق والواجبات الدينية بدقة.
تذاكر بنو إسرائيل عبادة جريج وصلاحه فقررت امرأة بغي مشهورة بجمالها الفاتن أن تفتنه وتثبت ضعف تقواه المزعومة أمام عامة الناس. تعرضت له في صومعته وحاولت إغواءه بكل ما تملك من فتنة وجاذبية أنثوية لكنه اعتصم بالله وصدها ورفض عرضها تماماً. هذا الثبات يعكس قوة الإيمان الكبيرة الكامنة في قلب العبد الصادق الذي يراقب ربه في الخلوات قبل الجلوات والعلانية. لما يئست المرأة من إغوائه مكنت راعياً كان يأوي إلى ظل صومعته من نفسها فحملت منه سفاحاً وظلماً وكيداً لهذا العابد. خططت المرأة لنسبة هذا الفجور والزنا لجريج العابد لتشفي غليلها منه بعد أن صدم كبرياءها برفضه القاطع لعرضها المحرم والآثم. بدأت خيوط المحنة الكبرى تنسج حول العبد الصالح الذي كان يظن أنه في مأمن من فتن الدنيا داخل جدران معبده الطيني.
وضعت المرأة غلاماً وادعت كذباً وزوراً أمام الملأ أن هذا الطفل هو ابن جريج العابد المنقطع للعبادة والزهد في صومعته. ثار الناس ثورة عارمة وذهبوا إلى صومعته فأنزلوه منها بالعنف والضرب المهين الذي أوجع جسده ونفسه الصابرة والمحتسبة لله تعالى. هدموا صومعته تماماً بالفؤوس والمعاول وهم يشتمونه ويصفونه بالمرائي الذي يخدع الناس بعبادته الزائفة والباطلة في نظرهم في تلك اللحظة. لم يدافع جريج عن نفسه بالصراخ بل طلب منهم بهدوء عجيب أن يتركوه ليصلي ركعتين لله قبل أن يحكموا عليه ويهينوه. الصلاة في وقت الأزمات هي الملاذ الآمن الذي يربط العبد بخالقه ويستنزل السكينة واليقين والفرج في أحلك اللحظات والظروف القاسية. استجاب الله لدعوة الأم القديمة فصار جريج بين المومسات والناس يضربونه ليرى أثر التقصير في حق الوالدين واقعاً ملموساً في حياته.
توضأ جريج وصلى بوقار ثم اتجه نحو الطفل الرضيع وطعنه في بطنه طعنة خفيفة بإصبعه سائلاً إياه بسلطان الإيمان واليقين الصادق. سأل جريج الغلام الرضيع أمام حشود الناس المتعجبة: (يا غلام؛ من أبوك؟) فأنطق الله الرضيع بمعجزة إلهية خالدة وباهرة للأنظار. أجاب الطفل بلسان فصيح لا يعرفه الصغار في مهدِهم: (أبي الراعي) مبرئاً بذلك ساحة العبد الصالح من التهمة الشنيعة والقاسية والباطلة. هذه الكرامة العظيمة كانت مكافأة فورية من الله لجريج على صدقه في العبادة وعفته عن الحرام وتوكله الكامل على ربه وحده. ذهل الناس من هول المفاجأة وأدركوا حجم الظلم الكبير الذي ألحقوه بهذا الرجل التقي الذي نصرته السماء في اللحظة الأخيرة. نطق الرضيع هو رسالة ربانية تؤكد أن الله يدافع عن الذين آمنوا ويظهر براءتهم ولو بعد حين من الابتلاء والتمحيص.
تحول غضب الناس المفاجئ إلى ندم شديد ومسحوا جراحه وقبلوا يديه معتذرين عن سوء ظنهم وتسرعهم الكبير في الحكم والبطش والظلم. عرضوا عليه من باب التكفير عن ذنبهم العظيم أن يعيدوا بناء صومعته المهدومة من الذهب الخالص والبراع إكراماً لمكانته العالية عندهم. رفض جريج هذا العرض المادي المغري بزهده المعهود وأصر على أن تعود الصومعة كما كانت من الطين المتواضع والبسيط جداً. هذا الموقف يثبت أن جريجاً لم يكن يطلب بعبادته وجاهة أو مالاً بل كان يطلب وجه الله الكريم والرضا الإلهي الدائم. عاد العابد إلى محرابه بعد أن تعلم درساً تربوياً قاسياً في فقه التعامل مع الوالدين وضرورة تقديم برهما على النوافل. الاستغناء عن الذهب والفضة في بناء المعابد يعكس فلسفة الزهد الحقيقي الذي يرى الجمال والكمال في البساطة والصدق مع الخالق.
نتعلم من هذه القصة أن البلاء والفتنة قد يصيبان أعظم الناس عبادة لتمحيصهم ورفع درجاتهم وتعليمهم فقه الدين الصحيح والمنضبط بالشرع. بر الوالدين هو الركيزة الأساسية التي لا يقبل الله مع التفريط فيها أي نافلة أو تطوع مهما بلغ حجمه في الميزان. الجمال ليس دائماً نعمة بل قد يكون نقمة وفتنة كبرى تجر بصاحبها إلى الهلاك إذا لم يصن نفسه بتقوى الله. التشديد في قضايا الأعراض في الإسلام يحمي المجتمع من الافتراءات الكاذبة ويوجب التثبت واليقين قبل إلقاء التهم والظنون الفاسدة والظالمة. الإخلاص في السر هو الدرع الواقي الذي ينجي العبد وقت الأزمات والشدائد المستعصية التي تفوق قدرة البشر المادية على الحل. ختاماً فإن قصة جريج تبني شخصية المسلم الذي يجمع بين العلم الشرعي والعبادة الصادقة والبر الواجب بالوالدين في آن واحد.